قال عتبة بن ربيعة يوماً في نادي قريش، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟
فقالوا: بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه.
فماذا كان العرض؟ لقد قال: يابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.
لقد كان هذا تفكيره، فماذا كان رد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
لم يرد عليه بأكثر من قراءة سورة فصلت: "حم، تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ" إلى أن وصل السجدة فسجد، وعاد الوليد بوجه آخر.
فتشاور رؤساء قريش مرة أخرى، ودرسوا الموقف واستمروا في خطئهم الاستراتيجي القاتل، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الكعبة بعد غروب الشمس، فجاء مسرعاً يرجو خيراً، فلما جلس إليهم قالوا له مثل ما قال عتبة، وعرضوا عليه نفس المطالب.
فكان رده صلى الله عليه وآله وسلم واضحاً وصريحاً: "ما بي ما تَقُولُون، ما جِئْتُكُم بما جِئْتُكُم بِه أَطْلُب أَمْوَالكُم ولا الشَّرف فيكم، ولا المُلْكَ عليكم، ولكنّ الله بَعَثَنِى إلَيْكُم رَسُولًا، وَ أَنْزَلَ علىَّ كِتابًا، وأَمَرَنِى أنْ أَكُونَ لَكُم بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُم رِسَالاتِ ربي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فإِنْ تَقْبَلُوا مِنّى ما جِئْتُكُم بِه فَهُوَ حَظُّكُم في الدُنيا والآخرة، وإنْ تَرُدُّوا عليّ أَصْبِر لأمْرِ الله ِ حتّى يَحْكُم الله ُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم"
قبل أن تفاوض أو تناقش أو تعرض اعرف من أمامك.



