يا لها من بداية تُوقظ القلوب! حديثٌ يَنبض بالرهبة والحنان، يلخّص مكانة "الرّحم" في ميزان الخالق جلّ وعلا، ويُعلن منذ اللحظة الأولى أن العلاقة بين الأرحام ليست مجرّد صلة دم، بل عهد مع الله، ومقام من مقامات القُرب منه.
ولنعلم أن العائلة ليست مجرد أفراد... بل حياة كاملة، وإننا لا نعيش وحدنا بل خُلقنا في أسر، ونشأنا بين إخوة وأخوات، وامتدت جذورنا في عمق عائلات وأقارب يحملون منّا ما لا يحمله سوانا. العلاقات الأسرية ليست مجرد تفاصيل يومية، بل هي أوتار تُحرّك أرواحنا، ومصدر دفء في برد الحياة، وسند لا يُقدَّر بثمن، والترابط الأسري ليس رفاهية، بل ضرور، لأنك عندما تجلس في مجلس تملؤه المحبة، وتعرف أن لك من يُسندك وقت ضعفك، ومن يفرح لفرحك ويبكي لحزنك، فهذا كنز عظيم، ولكن، وللأسف، كم من عائلات فرقتها كلمة؟ وكم من قلوب تبادلت القسوة بدل العذر؟
ويحسن أن نقول لرأب أي تصدع وغلق أي باب يؤدي الى القطيعة ، تغافل... تسامح... تعايش، فنحن لسنا ملائكة، ولسنا معصومين. بل اننا نُخطئ ونُصيب، نغضب ونلين. لكن هل يجدر بنا أن نُقيم أعمدة الجفاء على هفوات؟ هل نُقابل الزلّة بالقطيعة؟ لو كُتب على كل خطأ أن يكون سببًا لقطع الرحم، لما بقيت شجرة عائلة إلا وذبلت، فلنتغافل. نعم، لنتغافل. ليس ضعفًا، بل نضجًا. ولنصفح، لا لنتنازل عن كرامتنا، بل لنرتقي بإنسانيتنا. ولنُحسن الظن، لا سذاجةً، بل رغبة في لم الشمل ودرأ للقطيعة .
والمتبصر سيجد أن الحياة قصيرة... فليبادر بالوصل ويؤجل، وتخيل أنك تفارق الحياة عن من تحب وأنت على خلاف معه، تخيل أن تبكي على قبر من كنت تستطيع أن تُسامحه بكلمة، أو تحتضنه بموقف، أو تُزيل ما بينكما بنظرة حنونة. كم من دموع نزلت بعد فوات الأوان؟ وكم من ندمٍ لا دواء له إلا الزمن الذي مضى ولن يعود؟
الرّحم غالية. وكل يوم نؤجّل فيه الصُلح، نخسر فيه بركة من السماء،اجعل من اليوم بداية جديدة، صافح من خاصمت، واتصل بمن نسيت، واعتذر إن أخطأت، ولا تنتظر.



