في هذا الزحام اللامتناهي، لا نعلم كم من الأشخاص مرّوا، وكم من التأثيرات التي تسلّلت إلينا دون إذن. نحن، وإن كنا نظن أنفسنا محصّنين، إلا أننا في الحقيقة كائنات شديدة التفاعل، تلتقط التفاصيل كما تلتقط الزهور قطرات الندى، ولا يُشترط أن نعرفهم أو نبني معهم علاقة لنُصاب بعدوى شعورٍ ما، أو نتغيّر بتأثير عفويّ لا يُرى.
لكن السؤال الأعمق هنا: هل نملك زمام أنفسنا في خضمّ هذا التشابك؟ وهل نُدرك أن كثرة الأشخاص حولنا لا تعني بالضرورة كثرة الانتماء؟ إنّ من لا ينتبه، قد يضيع في الألوان، ويتقمّص ملامح لا تشبهه، فقط لأنّها متكررة الحضور. وهنا يظهر الوعي كمنارة في بحرٍ مضطرب، كقوة خفيّة تجعلنا نميز بين من يُلهمنا، ومن يُكدّر صفو فكرنا، بين من يستحق أن نُصغي له، ومن لا يجب أن يتجاوز أطراف يومنا.
كثيرًا ما نُواجه بمقولة: «الصاحب ساحب»، وكأننا جميعًا هشّون، نُسحب بلا مقاومة. لكن الحقيقة أن النضج يمنحنا خيار الوقوف على حافة التأثر، دون السقوط فيه. ليس كل من اقترب يستحق أن يتغلغل، وليس كل من شاركنا الطريق قادر على تغيير اتجاهنا. في داخل كلٍّ منّا مساحة نقية، لا تُفتح إلا بإرادتنا، ولا يُسمح لأيٍّ كان أن يُعيد ترتيبها.
أن تكون وسط الحشود وتبقى نقيًّا، أن ترى بعينيك ما لا يليق بقلبك، ثم تختار أن لا تكتسبه، هو في ذاته انتصار خفيّ. ليست العزلة في الابتعاد، بل في القدرة على التماسك وسط الفوضى، على الاحتفاظ بذاتك حين تتشابه الوجوه وتتصادم الأصوات وتتشابك القيم.
في نهاية المطاف، لسنا مطالبين بأن نغلق أبوابنا، ولا أن نتجاهل البشر من حولنا، بل أن نُحسن اختيار من نسمح لهم بالدخول، ومن نُبقيهم على العتبة. فبعض العابرين يمنحوننا نورًا، وبعضهم لا يأتون إلا بالضباب.
وفي زحام هذا العالم، يُدرك المَرء أنه لا يحتاج أكثر من وعيٍ صادق، كي يُبصر بوضوح.. ويبقى كما هو.
فالبقاء على هيئة النفس الأولى، رغم كل العبور، أعظم أشكال النجاة.



