كانت أوكرانيا في ذلك الوقت البعيد، خارجة من وطأة العهد السوفيتي، مفككة وفقيرة ولا سلطة قوية فيها ولا أمان، وكان الشتاء القارس في يناير على أوجه، وإجازات رأس وأعياد الميلاد على مشارف الأبواب.
حصلت يومذاك على تأشيرة، لدخول دول شرق أوروبا، وأخذت الباص من العاصمة كييف الي لفوف، ولما وصلت اليها، استأجرت بيتاً صغيراً بريف المدينة، بثمن زهيد ودفعت مليون قرفن للمبيت فيه، وبعد العشاء قررت النوم وأغلقت الباب الخارجي بالمفتاح، وكذلك النوافذ، وبينما أنا نائم شعرت بسكين تنغرس في حلقي ببطء، واحسست بألمها في رقبتي، كما شعرت بأيدي تمسك معصميَّ وأخرى تقيد أرجلي.
وفجأة استيقظت دفعة واحدة، وكان هنالك ضوء خافتاً يتسرب من النافذة، وعلى إثره رأيت ثلاث رجال ملثمين، ضخام البنية يمسكون بي، ويسألونني عن المال الذي معي، وتم تقييد يدي بشريط لاصق متين، وانهالوا عليَّ ضرباً، ولما بلغ الألم بي منتهاه، قررت الاعتراف بمكان المال، الذي كنت قد خبأته لزيارة أوروبا، ولم يكن بالمال الكثير بأي حال، لكن هؤلاء الروس المجانين أعضاء المافيا، يمكنهم قتل أي شخص من أجل حفنة من الدولارات القليلة.
قصص حقيقية كثيرة سمعت عنها بهذا الخصوص، المهم أنني آثرت السلامة واعترفت بمكان المال الذي جاءوا من أجله، أتذكر جيداً أنهم لم يتركوا لي شيئا، حتى الملابس والبالطو وجواز السفر، لكن الحمد لله أنهم أبقوا عليّ حياتي، ولم يأخذوا أعضائي الداخلية لبيعها، المهم بعد أن تأكدت أنهم قد غادروا واختفوا من حيث أتوا، أفقت على هول مصيبة أخرى، فمصيبة السطو المسلح أقل فداحة، من مصيبة فقدان الجواز، في هذا المكان البعيد عن العاصمة، وعن الجامعة والزملاء الذين أدرس معهم، أنا الآن بمكان بارد وبعيد، في قرية نائية تبدو شبه مهجورة، كما أن الشتاء هنا شديد البرودة وأسوأ من الصقيع، في هذا الليل الموحش، لا مكان أو شخص يمكن اللجوء إليه، كما أن الأوكران ليسوا مثلنا، وليس من شيمهم وعاداتهم مساعدة الغريب، لا سيما القرويون منهم، إلا ما رحم ربي، ثم إن حالتي مزرية من آثار الضرب وهول الصدمة التي ألمت بي.
أنا الآن بلا مال ولا وثيقة تثبت من أنا ومن أين جئت وماهي صفتي أو جنسيتي ولماذا أنا هنا وماذا أفعل بهذا القرية النائية؟، وهل يمكنني اللجوء إلى الشرطة؟ وهل سيصدقونني؟، أنا أعلم يقيناً أنهم لن يصدقونني، فالشرطة هنا فاسدة تماماً، إذ هي تبتز وترتشي وتفعل كل ما هو مشين مع الأجانب، وأكثر ما يشغل بالي الآن، كيف أتدبر أمري وأعود الي كييف من حيث أتيت وبسرعة، فالبقاء هنا خطر للغاية، خصوصاً وأنا أرتدي هذه الملابس الرثة، ضجت رأسي بهواجس لا حصر لها، وبعد وقت عصيب قضيته أرتجف من البرد والخوف، أشرقت شمس يوم جديد، والتقيت صدفة بأحد الأجانب بمحطة الباصات، والذي أشترى لي تذكرة العودة، وبعد معاناة ولطف كريم من الله العلي القدير وصلت إلى كييف، دون الاصطدام بالمافيا مرة أخرى أو اعتقال الشرطة لي، لكن تلك قصة أخرى.
إنني الآن بعد هذه السنوات الطويلة، والكثير من التجارب والرحلات، أدرك بأن أفضل نِعم الله وهباته العظيمة على الناس، هي نعمة الأمان، فبدون الأمن والأمان لا قيمة لشيء آخر، وأحمد لله على أن المملكة العربية السعودية، تمتلك هذه النعمة الفريدة، ويتمتع أهلها ومواطنيها الكرام بالأمن والأمان، تحت ظل قيادتها الرشيدة، وأرجوا أن يمنَّ الله على بلدي وسائر بلاد المسلمين، بهذه السلعة الثمينة النادرة والضائعة التي ينشدها العالم، وتقاتل العديد من الدول من أجل الحصول عليها، فهي تبدو كالفردوس المفقود.. اللهم آمين.



