كان أكثر ما أدهشني في زيارتي لأوديسا، هو رؤيتي لذلك الخليط البشري الهائل والمتنوع الذي يسكنها، فهنالك أجانب كثيرون جداً من كآفة الجنسيات، يعيشون بالمدينة بجانب الأوكرانيين، مثل الروس والبيلاروس والمولداف واليهود والأرمن والتتار والألبان والبلغار والرومان والأذريين والبولنديون والفرنسيين والرومان والألمان، ولعله من الغريب والنادر جداً أن تجتمع هذه الأمم والشعوب في مكان واحد.
هنالك تشابه كبير بين المدينتين جدة وأوديسا، فكلاهما مرفأين كبيرين، ويتمتعان بطقس دافئ ومعتدل في الشتاء، إلا أن شهرة مدينة جدة قد طبقت الآفاق، وحصدت سمعة عالمية عظيمة، كونها البوابة التي يدخل من خلالها معظم حجاج العالم الي المملكة العربية السعودية، لزيارة بيت الله الحرام، وزيارة المدينة المنورة.
عند زيارتي لمدينة أوديسا لاحظت بشكل جلي، اصطفاف أشجار الزيزفون بشارع «بريمورسكي بولفار»، كحراس شرف علي جانبي الممشى الطويل، وشدني جمال حدائق المدينة الغناء، كما أبهج ناظري رؤية أشجار الصفصاف والبلوط، تلك التي تعشش فيها طيور الحجل الجميلة والغاق واللقلق والحسون الأوكراني والسنونو، وهناك متعة عند الاستماع إليها وهي تغني للربيع، كما أن التنزه بشارع «ديريباس» المليء بأزهار النرجس والأقحوان والأوركيد والمانغوليا واللوتس، يريح النفس ويبهج البصر بألوانه المتعددة الزاهية، وعند الذهاب للبحيرة البيضاء، قرب قرية «ماياكي» ستذهل من جمال زنابق الماء البيضاء التي تنمو بكثرة، وتغطي سطح البحيرة، وهذا سبب تسميتها بالبحيرة البيضاء.
أتذكر ذات مرة كنت أشاهد أحد البرامج التلفزيونية عن جدة، وأذهلني رؤية نافورة الملك فهد، تلك النافورة التي تعتبر أطول نافورة من نوعها في العالم، حيث تضفي منظراً جمالياً علي ساحل المدينة الأنيقة علي امتداد البصر، فكورنيش مدينة جدة فائق الجمال، كما تعلمون ولا حدود لروعته، إذ به حيد من الشعب المرجانية، التي لا توجد في مكان غيره، مع اصطفاف عدد كبير من الفنادق العالمية علي خط الساحل، وبعض المراكز التجارية والمطاعم والملاهي والمتنزهات الرائعة.
ومن الرائع أنني قرأت أيضا عن «فقيه اكواريوم»، وهو مكان مثالي ورائع لمحبي عالم البحار، لأنه يتيح اكتشاف ومشاهدة الكائنات البحرية التي يزخر بها البحر الأحمر بجدة.
عموماً من يسعده الحظ بزيارة جدة، فسيستمتع بزيارتها حقاً، فجدة من أجمل وأقدم مدن الشرق المزدهرة، وأكثرها رحابة وحميمية واشراقاً، ولعل أسمي ما تتميز به جدة هو حضارتها العميقة الجذور، الضاربة في القدم، وفنها المعماري العتيق، فهي حاضنة تراثية غنية بالكنوز، ونافذة حضارية وثقافية لها تميزها وخصوصيتها وحضورها العالمي، فهي تحتضن بين جنباتها تاريخاً عريقاً، وقصصاً يرويها زوار مقاهي شارع الملك سعود الرحب، ذلك الشارع الذي يفوح منه عبق حضاري خاص، وتضج بين جنباته حركة الزوّار علي مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.



