هذا صحيح فكمية المشاعر التي اختزلتها هذه الصورة لباب خشبي متهالك يحكي لنا حكاية يفوح منها عبق الجدات وتشم فيها رائحة حناء الفتيات الصغيرات وهن يتجهزن ليلة العيد وتسمع خلفه ضحكات أب يداعب ابنه الصغير وصوت أم تنادي ابنها ليعود من بيت الجيران.عاش هذا الباب لسنين طويلة حارسا أمينا على ليالي جميلة وسهرات حالمة وضحكات مليئة بالحياة وآمال وآلام لا حصر لها، كان شاهد عيان على مرور الأيام وتصرمها وتقلب الدنيا بأهلها. وكان حارساً أمينا على كل الأسرار التي قيلت خلفه حتى رحل أصحابه الذين ائتمونه على أسرارهم ومازال يأبى أن يبوح بما اؤتمن عليه من أسرار.
رحل عنه من كانوا يثقون به ويحتمون خلفه وتحتضنه أيديهم صباح مساء وبقي وحيدا فلا يد حانية تلامسه ولا ضيف يطرقه ولا عاشق يمر أمامه. رحل الجميع وتركوه فلا هو يستطيع الرحيل معهم ولا هو يستطيع أن يجد لهم بدلا.
وهنا تحضرني كلمات الشاعر السوداني عبدالله الأحيمر حيث يقول:
«تتعافى الأبواب الخشبية حين يطرقها الأحبّة.. تتعافى بالكامل.
أعرف بابًا من أول طرقة إخضرّ، أثمر، صار شجرة.. رمى كل أقفاله وهرب إلى الغابة.
وبينما تتراجع أبصارنا إلى الخلف مبتعدة عن الباب شيئاً فشيئاً تفاجئك خيوط النور الرقيقة التي تسللت بخجل من ثقوب ذلك الباب لتحكي لنا قصة نسجت حروفها من نور. فقد كان يدخل النور كل صباح ليبشر بمولد أمل جديد ويأخذ الأذن من الوالدين للسماح للصغار بالخروج ليملاؤا الطرقات بالضحكات وبعد أن أغلق الباب دونه لعقود من الزمن ظل واقفاً على الباب ينتظر أن يؤذن له بالدخول ليعلمنا أنها مهما أوصدت الأبواب وتكالبت الظروف واشتدت الظلمة. فإن النور قادم والفرج وأنه حتى في أصعب اللحظات فلا بد من وجود ثقب يدخل منه الأمل.
وزاد هذه الصورة جمالا هذه الإلتقاطة لصاحب هذه العبارة الجميلة التي جسدت جزء من إحدى السنن الكونية والحالات الإنسانية والتي لا بد أن تمر بكل مخلوق على وجه هذه البسيطة
والتي تمثل ضرورة وجود تغير في نمط الحياة بين يدي كل حدث جميل في الحياة.
فلا مطر يهطل قبل أن تتغير السماء
ولا زرع ينبت إلا بعد أن تتشق الأرض، ولا مولود يولد إلا بعد معاناة تصل حد الموت.
وتلك هي القاعدة «لا تغيير بلا تغيير».وخير من ذلك قول الحق سبحانه «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ» فإذا أردت التغيير لما هو أفضل في حياتك فيجب أن تحدث شق في منطقة الراحة التي تعيشها الآن وتسمح للألم أن يدخل من ذلك الشق ليدفعك للخروج من واقعك الذي تريد أن تغيره ولم تستطع.
فالألم قادر على تغيير حياتك.الألم والأمل شقيقان لا ينفكان عن بعضها. فلا نجاح بلا ألم ولو لم طريق النجاح ملئ بالأشوك لكثر الناجحون ولكنهم قلة لوعورة طريق النجاح وصعوبة الصبر على تحمل ثمن النجاح.
وما أجمل قول المتنبي:لولا المشقة ساد الناس كلهم.. الجود يفقر، والإقدام قتـال
الألم ليس عدوا للإنسان، فهو بيولوجيا فطرة فطرنا الله عليها لتحذرنا من كل ما هو ضار بنا، ونفسيا هو رفيق درب أمين ومعلم صادق لنا في رحلة الحياة، ولا شيء يستطيع أن يعلمك الشعور بالآخرين إلا أن تمر بالألم الذي مروا به، وتلك هي إحدى حكم الصيام أنه يعلمنا الشعور بما يشعر به الفقراء.
وبالتالي، فإن الألم يسهم في تنمية التعاطف مع الآخرين، إذ يصبح الفرد أكثر فهمًا لمعاناة الناس من حوله مما يعزز روح التعاون والعطاء.
وطبياً فإن الألم يعزز من إفراز هرمون الأندروفين المسكن والإدرينالين المنشط مما يسهل على جسدك تحمل الألم ومواصلة الطريق.
وكما يقول المثل الإنجليزي المشهور «No pain, no gain»ومعناه إذا لم يكن هناك ألم فلن يكون هناك مكسب.
@phanttom2



