هذه المظاهر الجميلة وهناك أكثر مما لم أذكره، تضفي على العيد بهجة مختلفة في نفوس الناس، تزيدهم أملًا وتنسيهم ألمًا، تمنحهم وصالًا وتمحو انفصالًا، تملؤهم حبورًا وتبدد عنهم فتورًا، تغمرهم سكينةً وتزيل عنهم ضغينةً، تطبب الجراح وترسم على محياهم الأفراح، هذه ليست كلمات إنشائية فحسب، بل واقع حقيقي عشته منذ سنوات قليلة مضت ولا زلت.
أتذكر أول عيدٍ بعد رحيل والدي – رحمه الله - حين امتزجت مشاعر الحزن والاشتياق ببهجة العيد التي كنت أبحث عنها، كنت أظن أن هذا اليوم سيمرّ باهتًا، ثقيلًا، يفتقد تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنحه رونقه، لكنني وجدت في المظاهر الرقمية التي تصاحب العيد شيئًا مختلفًا، لا زلت أتذكر كلمات الكاتبة شروق القويعي التي أشعلت فتيل همّتي بعد أن خبا نورها في ذلك العيد.
كتبت شروق: «يوم العيد السعيد يطلّ بابتسامة عذبة جميلة، استقبلوه بأرواح مُشعّة تليق به وبأنواره، وأفئدة التسامح والمحبة والمودة للحياة، والكون، والبشر، والأهل، والأحبة، حيّوه بأطيب التحيات، وابسطوا له الفاخر من فُرُش نفوسكم المطرّزة بخيوط الحب والود والصفاء، ودعّوا همومكم، واركنوا أثقالكم جانبًا، واصنعوا الفرح صناعة وعيشوا البهجة لحظة بلحظة؛ لتعود بآثارها الطيّبة عليكم وعلى من حولكم».
حين قرأت هذه الكلمات، شعرت كأنها تخاطبني مباشرة، تدعوني للخروج من شرنقة الحزن إلى فسحة العيد الرحبة، حيث يمكن للبهجة أن تتسرب إلينا ولو من خلال شاشة هاتف أو رسالة محبة تصلنا فجأة، حينها أدركت أن العيد ليس مجرد طقوس اجتماعية، بل هو حالة شعورية يمكننا أن نصنعها لأنفسنا ولمن حولنا، وأن الفرح – وإن بدا بعيدًا – قد يجد طريقه إلينا بطرق لم نكن نتوقعها.
ومنذ ذلك اليوم، صرت أرى العيد بمنظور مختلف؛ لم يعد مجرد مناسبة تمرّ، بل صار فرصة لإحياء المعاني الجميلة، سواء كنا بين أحضان الأهل أو خلف الشاشات، ففي عالمٍ متسارع يفرض علينا أحيانًا التباعد، تبقى كلمات التهاني، والمشاعر الصادقة، واللحظات التي نوثقها معًا جسورًا تمتد بين القلوب، وتجعل العيد عيدًا، مهما تبدلت الظروف.
ويجب ألا ننسى وسط كل هذه المشاعر أن العيد ليس مجرد يومٍ للفرح والتواصل، بل هو شعيرة من شعائر الله التي أمرنا بتعظيمها والاحتفاء بها، يجب علينا أن نعيش العيد بفرحٍ وحبور، وأن نتجنب الانغماس في مشاعر الحزن أو الأسى، لأن العيد فرصة للتجديد والتواصل، ولن يكون كاملًا إلا إذا استشعرنا قدسيته واعتبرناه وقتًا لعبادة الله وفرحًا بفضله.
@syalaboud



