نقطةٌ واحدةٌ قد تغيرُ المعنى إلى الضِّدِ والنقيضِ. نعمْ كيفَ نستهينُ بتلكَ النقطةِ العظيمة، بلْ وجودِها نهايةَ الكلمةِ يتوجُ تلكَ الكلمةُ لتصبحَ جملةً تامة َالمعنى، نعمْ يا صديقي جملةً تامةَ المعنى، بلْ وبمفردةٍ من حرفين. هل استثارَ الفضولُ قريحتكَ لتعرفَ هذهِ المفرَدة؟
قدْ ثارَ حماسُك... وهَذا هو الهدفُ، ركزْ معي يا صدِيقي القارِئ. حرْفانِ لامٌ وألِف، كلمةُ « لا « هي كلمةٌ إذا وضعَ بعدها نقطةٌ تمَّ المعنى واضِحاً جلياً، حرفانِ هما، ما أسهلَ النطقَ، ولكن كيفَ عزَ جوابَ؟!
أَجلْ الكثيرُ مِنا لا تخرجُ من شِفَاهِه هذه الكلمة؛ لأنه إنسانٌ لطيفٌ، وودودٌ، محبٌ للآخرينَ، يُؤثِر الغيرَ على نفْسِهِ شططاً؛ ولكنْ يا عزيزي، ويا صديقي القارئ، لماذا نتأخرُ بالبوحِ بِها خَجلاً، وهي من أبسط حقوقنا؟ «لا» لكلِ ما لا يُشبهنا، «لا» لكلِ ما نعلمُ بالحقِ أنهُ لنا خسارةُ، وعلينا ظلمٌ وبهتانُ.
للعدلِ ميزانٌ بينَ البشرْ، فما هو مِيزانُ العدلِ بينَ النفْسِ وهواها، بينَ النفْس وصَلاحِها وِإصْلَاحِها وتقواها؟
قبلَ أنْ نُشيرَ بالسبابةِ للغيرِ على أنهمْ السببُ، فلنمعنْ النظرَ للأصابعِ الأربعةِ المتبقية في القبضةِ المشيرة!
نعمْ الأربعةُ تُشِيرُ لذواتِنا؛ فكيفَ تخُوننا أيدينا؟ إنَّ العقلَ اللاوعيَ والعقلَ الباطنَ قد يفوقُ وعينا، معنا صِدْقاً وشفافيةً، فأحسنْ الإنصاتَ لِذاتَك، اغلقْ عينيك، واعمل البصيرةَ بين جوانِحك، وادعُ اللهَ التوفيقَ والسدادَ في أمركَ.
لنتصالحْ مع هذه النفسِ التي تُرافِقُنا دُرُوبَ الحياةِ، والمسيرة، ماضينَ في ميادينِ معاركِ هذا العمرِ الذي نستنفذهُ فورَ الحصولِ عليهِ، فورَ خُروجِنا من أرحامِ أُمهاتِنا لهذه الدنيا صارِخِين مُعْلِنِينَ بِدءْ هذهِ الرِحْلةِ العظيمة، فلو كَتبَ كلٌ مِنا تاريخهُ الخاصَ لِتلمُس الكثيرِ في نفسهِ، العجائِب والغرائِب التي حِيكَتْ في قصةِ حياته، وطياتِ أيامه.
فإِنْ كانَ الحقُ بينَ الناس عظيماً، ويجزِي بِه ربُ العبادِ العافينَ عن الناسِ، والكاظمينَ الغيظَ، أليسَ مِن بابِ أو أن نُسامحَ، ونتسَامحْ معَ أنفُسنا؟ كفانا قسوةً على قُلوبنا، وأرواحِنا مجاملةً لمن نُجِلهم ونُقدِرهم، فنصدقُ مع أنفسنا، فنحنُ يجبُ أن نكونَ على رأسِ تلك القائمة! نعمْ يا عزيزي القارئ في حياتكَ أنتْ لا بديلَ لكَ سِواكَ، وإلا عاشَها عَنْك غَيرُك!
ألمْ يُخْبِروك عند صُعودِك للطائِرة أنْ تُنقِذَ نفسكَ أولاً، وترتديَ قِناعَ الأكسجين فور سقوطِ الأقنعةِ من سقفها في حالِ تعثرِ سيرِ الرحلةِ بأمان؟ هكذا هي الحياةُ السويةُ المتوازنة، وازِن نفسكَ، وتوازن على سرجِ فرسِ هذه الحياة، فالفروسيةُ في هذه الحياةِ للنبلاءِ فإن كنتَ نبيلاً مع الآخرين، أفليس من بابِ أولى أن تحظى نفسكَ بِنُبْلِك أولاً؟
من حسُن ِرفقةً مع نفسهِ، فاقربْهُ فإن محياهُ بهِ بريقُ نورٍ مضيءٍ من سماءٍ غيرِ سمائِنا، ومن أرضٍ غيرِ أرضِنا، فهو من جنسٍ تباركَ خالقهُ وأبدعَ التصويرَ، والصورة، ومن فناجِين فوح المُذهَّبة - دلةُ القهوة- استسقِى، ترى به من مكرَم الخُلق جِلباباً يتدثرُ به صُبحاً وعِشياً.
ذوقُك في التعاملِ مع الناسِ يتركُ عِطراً مميزاً له شفرةٌ خاصةٌ بك، فماذا تحبُ أن يكونَ العِطرُ الذي تنثرهُ روحُك عندما تحادِثها أُنساً لوحدِك؟ حينما تتجردُ من كل أحكامِ البشرِ فتكون أنتَ أنتَ دونما القلقُ من كونِ الآخرينَ ينظُرونَ بلحْظِ مُقلِهم إليكَ؟ كلما زادَ نقاءُ رُوحِك طابَ عِطرُك.. فهنياً لمنْ كانَ عِطرهُ العودُ والمسكُ.
bshaleid@


