جاءت نشأة الكنيسة النسطورية في القرن الخامس الميلادي، وكانت لنشأتها تداعيات سياسية ودينية كبيرة استمرت لقرون. وترجع جذور هذه الكنيسة إلى نسطوريوس، الذي تولى منصب بطريرك القسطنطينية عام 428 م. وكان نسطوريوس يؤمن بأن الطبيعتين الإلهية والبشرية في المسيح منفصلتان تماما، مما دفعه إلى رفض لقب «والدة الإله» الذي أُطلق على العذراء مريم - عليها السلام -، معتبرا أن هذا اللقب ينطوي على خلط بين الطبيعتين الإلوهية والبشرية. ورغم قولهم بالتثليث إلا أنهم لا يجعلون للمسيح -عليه السلام- طبيعة إلوهية كما في سائر الكنائس الأخرى متخذين بعضا من تعاليم الأسقف أرسيوس مبادئ لهم والذي دان بمبدأ التوحيد. مما أثار استنكار الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية واعتبروها مخالفة شديدة. أدى هذا الجدل بين الطائفة المسيحية إلى انعقاد مجمع أفسس عام 431م، حيث تم رفض تعاليم نسطوريوس واعتبارها هرطقة، كما تم عزله من منصبه ونفيه لاحقا إلى صحراء مصر.
ومع ذلك، استمرت تعاليمه في الانتشار، وخاصة بين المسيحيين في بلاد فارس، ووجد أتباعها ملاذا لهم بها. وحظي النسطوريون بحماية ودعم الدولة الساسانية حتى أصبحت الكنيسة الرسمية في بلاد فارس بعدما رأت فيهم قوة دينية مضادة للنفوذ والتواجد البيزنطي المسيحي بالمنطقة. وما لبثت هذه الكنيسة أن انتشرت، في الجزيرة العربية حيث كان للتأثير السياسي المباشر لأجزاء من الساحل الشرقي وبلاد الرافدين واليمن دور كبير في اعتناق العرب للمسيحية وتركهم الوثنية. كما أيضا كان للتجارة والصلات الثقافية دور كبير في انتشار النسطورية إذ نشأت مجتمعات مسيحية نسطورية في الموانئ والمدن التجارية الرئيسية كما في دارين وقطاريا في هجر التي وردت بها إشارات تاريخية عن وجود أساقفة نسطوريون بها. كما انتشر أتباع هذه الكنيسة في مناطق واسعة من آسيا الوسطى، ووصلوا إلى الصين في القرن السابع الميلادي. وكانت جميع هذه الكنائس النسطورية تخضع لسلطة كنيسة المشرق ومقرها في المدائن من بلاد الرافدين بما هو في العراق اليوم.
ومن أتباع هذه الكنيسة من كان منهم بنجران حيث كان لهم دور بارز في الأحداث السياسية، مثل المواجهة مع ملك اليمن اليهودي ذو نواس، الذي اضطهد المسيحيين وأحرقهم بما عرف في «حادثة الأخدود» الشهيرة، التي ذكرت في القرآن الكريم. ومن تداعيات هذا الحدث أن استعانت نجران بالحبشة، والتي غزت بدورها اليمن وأقامت حكما مسيحيا بها لفترة من الزمن، أحد أبرز شواهده إبرهة الحبشي الذي أراد هدم الكعبة المشرفة بما يعرف بحادثة الفيل.
ولم تختفي الكنيسة النسطورية تماما من الساحة بعد إسلام أغلب من اعتنق بها من العرب، فبإمامهم وأتباعها باللغات والثقافات الأخرى، قدر لهم أن يساهموا في نقل العلوم والمعرفة إلي اللغة العربية من خلال ترجمة ونقل كتب العلوم الإغريقية والسريانية في الفترة العباسية. هذه الكنيسة ومعتقداتها لم يعد لها وجود الآن وما نعرف عنها إلا من خلال ما يسطر بالكتب، فقد إنتهت إلا أن شواهدها الأثرية كثر وتاريخها وأحداثها القديمة جزء من تاريخ الجزيرة العربية.
@SaudAlgosaibi



