كان يوم من أيام شهر يوليو، وكانت الرياض قد اجتاحتها موجة حر ذلك العام بشكل مُفرط، وكنت في صحبة صديقين عزيزين على قلبي، من أبناء الرياض البارين، نتناقش حول العمل، وباغتنا الجوع علي حين غرة، فاقترح أحدهما مطعما قريبا، وكان أكثرنا خبرة بالطعام وأشياء أخرى لا حصر لها، المهم أننا دخلنا ذلك المطعم المتواضع الذي أشار به علينا، وهو يقع بالقرب من قلب الرياض الحار، واجهة المطعم ومدخله تدل أنه مطعم بسيط وعادى، وفعلا دلفنا إلي داخله وكأننا نسير في سرادق، وما لبث المكان أن أنفجر وأسفر عن سعة وجمال لا يحُد، صدمت لحظتها، كان يبدو كواحة صحراوية، فالنباتات والخضرة والماء كانت تطوقنا وتحيط بنا، والمكان يصدح بعبق الماضي التليد، فجدران المطعم مكسوة بالطين اللبن، وهناك غرف وخيام من الشعر، ورشاشات الماء تنثر فوق رؤوسنا رذاذاً برقة وحنان، وتظللنا كأجنحة غيمة، مما أضفى على المكان سحراً وشعوراً بالاسترخاء والراحة.
وكانت هناك سيمفونية طلال مداح «يا سر مكتوم» تصدح في الأرجاء، وتتسرب موسيقاها الجميلة الراقية إلى حنايا الروح فتهدهدها، وعلى أثر ذلك تغلغلت داخل نفسي مشاعر الألفة والأُنْس والسكون، كأنما هناك طاقة من الأمل وشرفة من السعادة، قد انفتحت على مسارب روحي، وانسدل حينئذ ستار منيع على هموم الحياة، فانزوت واضمحلت لحظتها، بهذا المكان الرحيب، وخامرنا عندئذ -جميعنا- احساس مبهج ولطيف، فقد جعل صاحب المطعم كل التفاصيل في هذا المكان على شكل فلكلور بديع يحاكي تراث الماضي البعيد، الأواني والجلسة وطريقة تقديم الأكل.
أما رواد المطعم فقد كانوا من كافة الجنسيات سعوديين وخواجات وعرب وأجانب، وإن كان الخواجات يبدو عليهم فعلا الانبهار، والاستمتاع بوقتهم فيه، فقد ظلوا يتمشون فيه، ويلتقطون كثير من الصور، ورغم ذلك فهذا المطعم يعتبر درة مكنونة، لأنه مجهول كـ «سر مكتوم في جوف أصداف» إذ لم يحظى باكتشاف الكثير من عشاق الأماكن الساحرة ومحبي الطعام، خصوصا وأن أسعار الأكل جدا معتدلة، أما صاحبه الذي قام بتأسيسه وافتتاحه أعتقد قطعاً، أنه يستحق الثناء والإشادة على فكرته الخلابة هذه.
ثم بعد ذلك توالت الأيام والليالي، ومضت في تباعدها تباعا، وانغمست في تفاصيل الحياة وحبائلها التي لا تنفك تزداد تشابكاً وتعقداً وتداخلاً وصعوبة، لكني رغم ذلك لم أنسى أبداً روعة وجمال ذلك المطعم الوثير الرحب بصحبة أصدقائي الأعزاء، فهو حقا متنفس مريح، ومغتسل منعش، من هموم الحياة في جوف الرياض الحار.
وفيما بعد، وعلى غير استعداد مني، أتحفني الحظ بزيارة قصر المصمك، بوسط الرياض، وكانت المفاجأة رائعة، إذ لم أكن أتخيل أن تلك المنطقة التي حوله بهذا القدر من الجمال.
وفوق ذلك يبدو قصر المصمك أو المسمك كأيقونة تاريخية في غاية الروعة والبهاء، كيف لا، وهو وجهة سياحية مقصودة للخواجات من دول العالم، أتذكر بوضح حينما زرته شعرت فيه كأني أسبح في عبق الماضي، واستنشق رحيق الأمكنة التاريخية المُوغِلٌة في القِدَم، ولا بد أنه كان حصناً منيعاً في ذلك الزمان السالف.
أما الآن فهو يعتبر معلم أثرى، وعلامة فارقة في تاريخ الرياض، والمملكة عموماً، وسيظل كسمفونية خالدة، تعزفها الأجيال وتتوارثها، بكل فخر واعتزاز.
زيارتي للمصمك جعلتني أحس كأنني أطالع كتاب عتيق، كأنني أقرأ في سفر قديم، يحكي قصة تأسيس المملكة، بكل شموخ وإباء وعزة، فقد كان قصر المصمك بيتا للحكم والمال آنذاك، والآن تحول لمتحف وطني مفتوح، ومزار سياحي عريق، وصرح تاريخي، يقصده الأجانب والضيوف والسعوديين على حد سواء، للتعرف على تاريخ وتراث المملكة الزاهي، ويقضون فيه وحوله أوقات رائعة، متنزهين بين محلاته التجارية الكثيرة، ومستمتعين بالتمشي والتجوال حوله، متفحصين ذاكرة المكان الشامخة والمضيئة.
هذا إذا يفسر كل شيء، يفسر قصة ذاك الرجل صاحب المطعم، فلا بد أنه جاء إلى هنا، وأعجبه هذا المكان، وفتن بالقصر وما حوله، ولا بد أنه كان من هواة التاريخ أو محبي التراث، أو لعله لا يكون كذلك، لكن من المؤكد أنه رجل حاذِق وحصيف اذ أخذ فكرته من هذا المكان البديع، وأضاف عليها ما يتوافق مع فكرة مطعمه، وقبل ذلك حتما وقع في حب هذا المكان، وأحس بالفخر والراحة، التي يضفيها هذا الصرح العظيم على زائريه، وقرر عندئذ تصميم مطعمه على هذا الأساس، فيا لها من فكرة عبقرية مستمدة من ثراء الماضي العريق، ويا له من رجلذ كي ماكر، فقد أحسن استثمار ذلك الألق المتوهج والسر الذي أخذه من مَوْرُوث الماضي، وجعله مطعماً ومزاراً في آن واحد، فيا له من ذكاء وطموح، ويا للمصمك من قصر فخيم، ووجهة رائعة للزيارة إن كنتم لا تعلمون.



