وبالنظر إلى الصحافة في واقعنا الحالي نجد أن كثير من الصحفيين يميلون إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة قصصهم الإخبارية وتحليلها، إلى جانب استخدامها في التحرير وعمليات البحث والترويج وغيرها، الأمر الذي يراه البعض عنصرًا مساهمًا في تجويد العمل الصحفي وتحسين كفاءته، في حين يراه البعض الآخر يهدد الإبداع البشري ويخترق أخلاقيات المهنة الصحفية.
بطبيعة الحال هذه القضية جدلية مثلها مثل العديد من القضايا، ولا يوجد اتفاق على شرعية الاستخدام من عدمه في مجال الصحافة، إني على الصعيد الشخصي أؤيد مواكبة الحراك التكنولوجي وأعتقد أنه مطلب ما دمت تزاول مهنة الصحافة، وأشجع على تسخير الأدوات والتقنيات الحديثة في سبيل إنتاج عمل صحفي عالِ المستوى، لكني بالوقت ذاته أقر بأهمية الالتزام بالمهنية الصحفية وعدم تجاوز أخلاقياتها المؤدية إلى عقبات كبيرة تتعلق بالملكية الفكرية، بالتحيز، بالنزاهة والمصداقية وغيرها.
إن التوازن باستخدام الذكاء الاصطناعي هو سبيل الوصول إلى بر الأمان في مختلف المجالات لا سيما الصحافة، لذلك أعتقد أن هذا التوازن لن يتكوّن من تلقاء نفسه، ولن يتحقق بمجهودات فردية من الصحفيين، بل للمؤسسات الإعلامية والصحفية دور في تعزيز استخدامه بشكل مسؤول، والتثقيف بأبعاد الاعتماد عليه أخلاقيًا، مهنيًا، وقانونيًا.
ولا يتوقف الدور على المؤسسات، بل للجامعات دور بالغ الأهمية في تطوير المناهج الدراسية وتأهيل الطلبة «صحفيو المستقبل»، بما يتماشى مع متطلبات العصر من تعريف بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوعية بآليات استخدامها، وبناء ثقافة مسؤولة للتعامل معها والتصدي لأضرارها والتحديات المحتملة في هذا المجال.
ختامًا، تظل الصحافة في جوهرها مرآة للمجتمع، وسلطة رابعة تتطلب العين البشرية الحريصة والضمير المهني اليقظ، لم يأتِ الذكاء الاصطناعي ليحل محل الصحفي، بل ليكون أداة تكمل مسيرته، تسرع من وتيرة عمله، وتفتح له آفاقًا جديدة للتحليل والابتكار، وفي هذا السياق يبقى للصحافة دورها الحيوي في تشكيل الرأي العام، فبينما تتسارع الآلات في تنفيذ المهام، يبقى للإنسان الدور الأساسي في توجيه رسالته بصدق، وأمانة، وشفافية، خلاصة القول: الصحافة لا غنى عنها في حياتنا، والآلة لن تكون بديلاً لها، بل شريكًا فاعلًا في تعزيز رسالتها؛ للنهوض بالمجتمعات وتحقيق تطلعاتها.
@syalaboud


