أصبحت الحياة أكثر تقاربًا أصلًا بعالمنا الواقعي ومع وجود العالم الافتراضي بمختلف تطبيقاته، فقرّب القريب أكثر وجعل البعيد أقل بُعدًا، ومن هنا تنطلق نقاشات كثيرة عميقة وسطحية جميلة وغير جميلة هادفة ولا.. ومهمة ولا، وجادة أم هزلية، الأهم في نظري ألا تكون جدالا فمهما بلغ من الأهمية والجدية والفائدة فإنه بوجود الجدل ينعدم من أي فائدة، فمرحبا بالاختلاف والنقاشات وتبادل الأفكار وتعديلها وقبولها زيادة ونقصا. من ضمن هذه النقاشات كنت أتحدث مع صديق لي شاعر جميل مغرم بالشعر النبطي غاية الغرام، يقدح دائمًا في معشوقي الشعر الفصيح، ولأن للناس فيما يعشقون مذاهب فإني أتفهم مدحه لما يحب ولكني لا أتفهّم قدحه لما يكره، الحب والكره حق مشروع للجميع ولكن المدح والقدح لهما شروط يجب أن تتوافر غير الحب والكره، فهو يقول بل يدّعي أن الفصحى تلغي النبطي وتتكابر عليه وتقلل منه وتهمّشه وقد لا تراه شيئًا، قلت وإن كان ما تقول صحيحًا فليس بالضرورة أن يُفرض عليك هذا الرأي لكن هناك أسبابًا حقيقية يجب أن تتقبلها، قال عدد لي ما هي يا (راعي الفصحى) فقلت بداية أنا ضد المقارنة من أساسها لأنك تقارن شيئين مختلفين منفصلين فمثلا لا تستطيع مقارنة سيارات الشحن للبضائع بسيارات الركاب، الشعر بل الأدب بكل أنواعه هو موروث عربي أصيل يجب أن نحافظ عليه بكل ما أوتينا من قوه هذا أولا، فقال لي وثانيا ولسان حاله يقول (اخلص علينا) قلت إن المقارنة مرفوضة فقال هذا دليل غرورك واستعلائك أيها الفصيح، قلت ليس كذلك إطلاقا، والدليل ما سأسرده لك، الفصحى هي لغة، أما النبطي فهو لهجة، الفصحى لغة مقيدة لها إعراب ونحو وصرف، والنبطية لا تحتاج إلى ذلك فهي مرنة من هذه النواحي، الفصحى ثابتة في كل مكان أما اللهجة فتتغير من منطقة لمنطقة ومدينة لأخرى وبلد لبلد، بل من قرية لقرية. فمثلا الجمع لكلمة معينة عند أهل الشمال ليس كمثل أهل الجنوب في النبطي، أما الفصحى فجمعها ثابت في كل أصقاع الأرض. السؤال المهم هل ينقص ذلك من النبطي شيئًا؟ لا إطلاقًا لكني أتحدث عن سمات وصفات وليس عن أفضلية، بالنسبة لي الفصحى هي لغة العرب الذين تفننوا وأبدعوا وتغنوا بها وجاء القرآن الكريم معجزة وتكريما في آن واحد بها، لذلك أنا من عشّاقها، ولو قلت لي إنك من عشاق النبطي لأنه مرن وسهل المتناول وأقرب للعامة لأيّدتك على ذلك، فكل ما في المحبرة تخرجه ريشة إبداعك، فدع الإبداع هو فيصل الموقف.
وحتى ألقاكم الأسبوع المقبل، بإذن الله، أودعكم قائلا: (النيات الطيبة لا تخسر أبدا) في أمان الله.



