كان القطاع الثالث غير الربحي والذي كان يطلق عليه العمل الخيري في المملكة أمرًا واقعًا، حتى قبل أن يتحول إلى عمل مؤسسي تحت مسميات الجمعيات الخيرية أو جمعيات البر أو الجمعيات الأهلية أوغيرها كما هو الآن، باعتبار أن الوظيفة التي يؤديها هذا العمل تجاه المجتمع هي واجب شرعي من جهة، كما أنها ذات صلة بالعادات العربية الأصيلة.. ثم جرت مأسسة هذا العمل تحت مظلة الشؤون الاجتماعية، وغيرها من الجهات الرسمية لسنوات طوال، وكان يتخذ شكل المساعدات المادية والعينية الرعوية المباشرة التي تمنح لذوي الحاجة. ومع التطور الذي شمل كافة مجالات الحياة في بلادنا والحمد لله، فقد تطور هذا العمل ليكون القطاع غير الربحي بوضعه الحالي في المملكة من أكثر الجهات العاملة في هذا المجال في العالم تطورًا وتحديثًا، خاصة أنه استجاب سريعًا للتحوّل النوعي الذي حصل عالميًا في آلياته، بحيث تحوّلت مقاصده وإستراتيجياته إلى اعتماد التحوّل التنموي بالأسر والفئات المحتاجة نحو الاعتماد على الذات، والانتقال من الحاجة إلى الاكتفاء، وتوظيف إمكانيات أفراد هذه الأسر من الشباب والفتيات، وتدريبهم وتأهيلهم لسوق العمل ليكونوا عونًا لأسرهم ويعتمدوا على ذواتهم، وقد حقق القطاع الأهلي في المملكة نجاحات واضحة في هذا المجال على الدعم، ثم جاءت رؤية المملكة 2030 لتعتبر هذا العمل إحدى أدوات تحقيق الرؤية، بما في ذلك الجمعيات الأهلية والتطوعية والوقفية التي نمت أعدادها، وتطورت أساليبها وآليات عملها لتحقق كل يوم مزيدًا من النجاحات، يدل على ذلك ارتفاع عدد المؤسسات الخيرية في المملكة منذ انطلاق الرؤية بنسبة 165%، ووصول عددها إلى ما يزيد على 2600 مؤسسة، فيما تبلغ الملاءة المالية للجهات الخيرية حوالي 80 مليار ريال، وفق ما أوضحه الأمين العام لمؤسسة المهيدب الخيرية، في ورقة عمل قدّمها مؤخرًا في ملتقى التطوع الأول الذي عُقد تحت شعار (هاكاثون مليون متطوع) والذي نظمته أمانة المنطقة الشرقية، وعنوان هذه الورقة (ألفبائيات التطوع)، وكما هو الحال في كثير من مستهدفات الرؤية، فقد حقق هذا القطاع نتائج أكثر مما كان متوقعًا في وقت أقصر، حيث تشير هذه النتائج إلى أن هدف مليون متطوع الذي حددته الرؤية ليس بعيد المنال، بل إنه ممكن التحقق قبل نهاية عام 2030 وذلك -بعد عون الله- بما يلقاه هذا العمل من عناية ودعم خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد، وما يجري من تنظيم لهذا العمل، خاصة إطلاق المنصات التي تعزز أنشطته وبرامجه، والحوافز التي تساعد في تنمية كافة القطاعات في المملكة والتشريعات الجديدة التي تدعم الإقبال على المشاركة فيه، إضافة إلى انتشار ثقافة المسؤولية الاجتماعية لدى القطاع الخاص، مما ضاعف في دعم هذا القطاع لأنشطة القطاع الثالث، وبذلك فإن التطوع وغيره من مجال عمل الجمعيات الأهلية التنموية سوف يؤدي دوره المأمول، كما أرادته رؤية المملكة 2030 في التنمية الشاملة -بإذن الله-.

