أجل هناك دولة عربية هي أولى بالإفلاس، ولكن الفارق بينها وبين لبنان كما أرجعه البعض هو حالة لبنان الخاصة تلك التي جعلته بلدا يلاحقه فساد حكومي بالمحاصصة الإرثية العائلية في وزارات الدولة وهيئاتها وخدماتها منذ أكثر من ثلاثين سنة، وتغطية الفساد الشبكي والسرقات بغض الطرف تارة والتشجيع تارة، وبذلك يعلو صوت العائلة والطائفة على صوت الوطن، ذلك لإبقاء السلطة محل وضع اليد بالثقة لمن يديرها لا بالكفاءة، كما يذهب الريع إلى مكافآت ومجاملات بدل أن يذهب لخطط إصلاحية وتنموية، مما جعل الاقتصاد اللبناني في حالة هشاشة منذ ذلك، وهو أشبه بشركة أهلية يحق لها إعلان إفلاسها متى أرادت.
اعتبر البنك الدولي في تقريره عام 2021، أزمة لبنان المالية بأنها «واحدة من أشد عشر أزمات، وربما أشد ثلاث أزمات في العالم منذ خمسينيات القرن التاسع عشر- وباتت تُعرّض للخطر الاستقرار والسلم الاجتماعي في البلاد على المدى الطويل». وأرجع ذلك إلى أسباب منها: «فقد أفلس نموذج التنمية الاقتصادية للبنان الذي ازدهر بفضل تدفقات وافدة كبيرة لرؤوس الأموال ودعم دولي في مقابل وعود بإجراء إصلاحات، علاوةً على ذلك، يحدث الانهيار في بيئة جيوسياسية تتّسم بدرجة عالية من عدم الاستقرار، الأمر الذي يزيد من إلحاح الحاجة إلى معالجة هذه الأزمة الحادة». بل يتهم البنك أن ما يحدث من «الكساد المتعمّد في لبنان هو من تدبير قيادات النخبة في البلاد التي تسيطر منذ وقت طويل على مقاليد الدولة وتستأثر بمنافعها الاقتصادية. وقد استمرّت هذه الهيمنة على الرغم من شدة الأزمة».
كذلك الصندوق الدولي أشار إلى موقفه من أزمة لبنان بوضع دراسة تتضمن خطة خروج من الأزمة، ولكن بشروط لعل أبرزها وأولها «الصندوق مستعد لمساعدة لبنان وشعبه على تجاوز هذه الأزمة غير المسبوقة. وللقيام بذلك، لا بد من وجود حكومة جديدة لديها الإرادة والصلاحيات المطلوبة لتنفيذ الإصلاحات الشاملة الضرورية». شرطه سياسي ويعتبره الخبراء تدخلا في الشأن المحلي لدولة مكروبة لا يمت لقوانين الصندوق بصلة، وذلك لأن أسباب المشكلة عتيقة ومتجذرة وتاريخية، وعلى الرغم من أن الصندوق الدولي يقدم مساعدات غير مالية أيضا مثل تقديم «أنشطة لتنمية القدرات، وهي مساعدات فنية وتدريبية للمسؤولين الحكوميين تهدف إلى معاونة البلدان الأعضاء على تدعيم المؤسسات الاقتصادية وتحسين الإحصاءات، بالإضافة إلى تعزيز القدرات في مجالات مثل الإدارة الضريبية، وإدارة الإنفاق، وسياسات النقد والصرف، والرقابة على النظام المالي وتنظيمه، والأطر التشريعية. كذلك يقدم الصندوق المشورة للبلدان الأعضاء بشأن السياسات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، والحد من التعرض للأزمات الاقتصادية والمالية، ورفع مستويات المعيشة»، بيد أن الصندق سجل له فشله في إدارة مشاكل البلدان التي تتعرض للإفلاس كاليونان على سبيل المثال وبعض دول أمريكا اللاتينية، بل البعض أرجع تفاقم المشكلة إلى سوء التقدير وضبابية توقعاته وفرضه لسياسات ورطت دولا أخرى كانت تصارع الغرق.
في الحقيقة لبنان الذي يعتمد اعتمادا كليا على قطاعاته الخدمية وعلى القوى العاملة والعقول البشرية هو في ورطة كبيرة وتاريخية، يمكن تداركها بإصلاحات أكبر من حلول اقتصادية فقط، ويمكن لحلول «عربية» أن تساهم في حل أزمته، ولكن بعقلية مختلفة وقواعد ملزمة. فهو يعتبر فرصة للاسثتمارات أيضا كالمثل القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد».



