يستهويني تشبيه التربية التي تدعم شخصية الطفل بزراعة شجرة، إذا كانت من بذرة سليمة وغرست في تربة صالحة وتوافرت البيئة والظروف الملائمة، امتدت جذورها عميقًا وبقيت ثابتة متأصلة، مهما اهتزت فروعها برياح المواقف.
فالتربية السليمة هي التي تستند على فقه الواقع ومعرفة البيئة وتغيّراتها ودراسة تأثيراتها، فلا بد من اتباع منهج تربوي بأهداف تربوية محددة بزمن ووسائل معلومة.
هل نعامل أطفالنا ونربّيهم بنفس الطريقة التي عاملنا بها أهلنا؟؟!
قد يمثل النفي إجابة منطقية لمثل هذه الأسئلة التي كثيرًا ما نتعرض لها كمختصين، خاصة في ظل التغيّرات الاجتماعية المتسارعة، فقد تجد نفسك بمفردك أمام مسؤولية تربية أطفالك بعد أن انحسر دور الأسرة الممتدة، وافتقدنا دور الخال والعمّ والجد، ورحابة البيوت الكبيرة، ودفء الأقارب، إضافة للتطور التقني الهائل الذي نشهده في عصرنا، فقد أصبحت العوالم الافتراضية تشكّل عالمًا موازيًا لعالمنا، وقد تصبح بديلًا عنه في مستقبل الأيام؛ مما يعزز الفجوة بيننا وبين أبنائنا، ويعمّق مخاوفنا.
التربية عملية شمولية لا تقوم على إشباع الرغبات فقط، وتغذية الأجساد وإيوائها، فذلك المنهج القائم على تلبية الرغبات فقط دون الالتفات لبناء الشخصية وتطوير العقول، وغرس القيم، ولعملية تقويم وتصحيح السلوك، وهو منهج يتبعه الآباء المنشغلون أو المنغمسون في ملذاتهم أو الذين تعرّضوا للحرمان في طفولتهم ويحاولون تعويض ذلك النقص عند أطفالهم بالدلال الزائد وطريقة غير متزنة تنتج أبناء أنانيين، اعتماديين أو بشخصيات هشَّة ضعيفة يعجزون عن تحمّل مسؤولية أنفسهم وأفعالهم.
أود أن أشير هنا إلى أن القصد من الحديث هو الاتزان بين الأمرين، وربط المرغوب بالمطلوب؛ لأن التطرف في تقويم السلوك دون إشباع الرغبات العاطفية والمادية هو أيضًا أمر في غاية الخطورة، وينتج طفلًا محرومًا يسهل استدراجه بالثناء والعطاء، فالإنسان عندما يعطش لن يسأل عن سلامة الماء، فأشبع أطفالك ماديًّا واروِ أرواحهم بمحبتك وعطفك، كن لهم الملجأ والملاذ الآمن، ثم امنحهم أجنحة ليحلقوا بها..
بدوري أنصحك بأن تجعل على رأس قائمة أهدافك التربوية تنمية تقدير الذات عند طفلك، وتعزيز قيمته في عين ذاته، ويمثل احترامك وتقديرك له نقطة مرجعية في ذلك، ساعد طفلك على أن ينمّي ثقته بذاته، ثقة حقيقية، وإحساس بالجدارة والكفاءة يعزز الأداء، وليست غرورًا ساذجًا يقوم على ادعاء القدرة مع عدم وجودها.
ساعد طفلك على أن يعبّر عما يشعر به، فكتمان المشاعر أزمتنا في هذا العصر، وذلك ما يسميه المختصون بتوكيد الذات، وهي مهارة يجب أن تنمّيها في طفلك وتوسّع مداركه ووعيه بمشاعره ثم تطور أدواته للتعبير عنها، ساعده أن يعبّر عن رفضه أو غضبه، كما يعبّر عن فرحته وحماسته.
تقبّل طفلك ليقبل نفسه، ادعمه وأظهر له اعتزازك به، ولا تقارنه بأحد، فتقبّل الذات ركيزة أساسية لبناء شخصية سويّة، يعاني كثير من الأطفال من مشكلة عدم تقبّل ذواتهم، خصوصًا في مرحلة المراهقة، فلا يتقبّل المراهق شكله، لونه، وزنه، طوله، شعره؛ مما يجعله يلهث خلف الماركات والمشاهير، ويضيع ذاته أثناء سعيه للحاق بركب المدنية العالمية.
أخيرًا.. لابد أن أشير إلى أن مثل هذه المقالات تقدم أطرًا عامة فقط، فلكل حالة خصوصيتها، ولا بد من مراعاة الفروق الفردية وظروف الطفل وبيئته، لذلك أدعوك لأن تجعل من التربية قضية جوهرية في حياتك؛ لتخرج طفلًا صالحًا معافى، فالابن الصالح في الدنيا ينفع، وفي القبر يشفع، وفي الآخرة يرفع.
@ wallaabdallagas



