للماء قوة جبارة عظيمة تلهم من يتتبع إعجازه بأفكار نيرة تلغي من قاموسه فرضية المستحيل، نرى قوته تلك أولا في أجسادنا فثلاثة أرباعه ماء، نموت بلا ماء ونحيا بالماء يتطهر بدننا به وبه يتوازن جسدنا فاختلال مقداره في الأذن يصيبنا بدوار وقلة نسبته في أعيننا يصيبها باحمرار وجلدنا يصاب بجفاف إذا نقص فيه منسوب الماء.
الماء في أي بناء إن تسرب بسبب خلل ما تجده يسير إلى أن يجد منفذا فينفذ، تجده يشق طريقه من جوف الأرض وينبع وينحدر من جبال صخرية بوديان شقها بإصرار إلى أن في مجراها تدفق، الماء ملهم من يجابهون المصاعب ويفهمون أن مركبا بسيطا قد أحياك ومهما كانت قوتك وغناك وجبروتك دونه لن تتنفس.
حديث الماء ذاك جال في ذهني عندما رأيت أمطار الخير تنزل بغزارة فحمدت الله على نعمة يمن بها علينا لولاها لتصحر الكون وذبل الغطاء النباتي وهلكت الدواب، سلسلة متكاملة يعتمد بعضها على بعض والماء المركز.
دخلت متفائلة إلى المكان الذي أقصده فكانت عبارات التأفف من خيرات السماء في الاستقبال تجمدت ابتساماتي مستغربة لكيفية استقبال بعض البشر لعطاء من رب العباد.
جلست على الكرسي وبدأت العاملة تشذب أظافري وتطليها بلون زاه فتان وهي مبتسمة دفء ابتسامتها أرخى ملامحي وبدأت تتحدث بفرح عن الأجواء وكيف أن المطر نماء وسقيا وخيرات، فسألتها: أتفرحون بالمطر؟، أجابت: إنه عطاء الله ورغم الطوفانات التي تتبعه أحيانا وانهدام المنازل وانهيار سفوح الجبال وموت البشر أحيانا والدواب في بلادنا نفرح ببركات الله فلولاها لمات المشردون من الجوع فما ينمو في الأرض دون عناء يتناوله هؤلاء الفقراء.
خرجت من المكان وقلت هناك من يتدبر شاكرا بعطاء الرحمن، فلم يتأفف بعض البشر من خير يمنح بالمجان فيه تشرع أبواب السماء لتستقبل الدعوات ومعه تغتسل الأشجار وترجع بهية لا ترتدي الغبار، كثير من أفضال تترافق مع قطرات الغيث لا حصر لها ولا يتسع المجال لتعدادها فلماذا يرى البعض فقط جانب غرق الشوارع التي سوف تجف ويلتفت لتسرب الماء في الجدار ولا يفهم أنه إشارات تستوجب الإصلاح؟ لماذا يتجهم الكبار المدركون بينما يلعب تحت المطر الصغار؟ لماذا لا يفرح البعض بنزول نعمة ننتظرها طوال العام فإن انقطعت شكا الأحوال وصلى استسقاء؟ لماذا البعض فقط يلاحظ الفراغ ولا يتنبه إلى ما ملأه الحيز من أشياء؟
* تدبر
آية 70 في سورة الواقعة.



