عندما كنا صغارا كنا نتسابق وقت النوم إلى فراش جداتنا، الكل يريد أن يكون له قصب السبق، لكي يحظى بهذا الحضن الدفيء الحنون، ويستمع للقصص الجميلة والبسيطة والعفوية، فالجدة هي الأم الثانية وأحيانا قد تكون الأولى، فهي تغدق علينا بكل شيء وخاصة من الحلويات البسيطة التي تنال رضانا في ذلك الوقت، وحتى علماء النفس انصفوها عندما أطلق بريماك عالم النفس المعروف مبدأ سماه قانون الجدة، لأن الجدات استخدمنه منذ القدم، فإذا قالت الجدة أو غيرها للطفل «كل الخضار مثلا أولا وبعد ذلك اسمح لك بتناول الحلوى»، أو «ادرس أولا وبعد ذلك اخرج للعب» فإن محاولة التأثير على السلوك تتم وفقا لمبدأ بريماك، وهكذا يمكن تشجيع الأطفال على تأدية الاستجابات المطلوبة منهم والتي لا يقومون بها تلقائيا من خلال السماح لهم بتأدية الأنشطة المحببة فقط بعد أن يقوموا بتأدية الاستجابات غير المحببة، هذه نظرية التعزيز تنص على أنه يمكن تعزيز السلوك الأقل رغبة من خلال فرصة الانخراط في سلوك أكثر رغبة، اختفت هذه الصورة الذهنية للجدة تلك المرأة الطيبة الحنونة التي كانت تحب أبناء أولادها وبناتهم، والتي كانت تحدثهم بالقصص المشوقة قبل النوم، من أذهان الأطفال لأسباب كثيرة، ومنها العيش في منازل مختلفة ومستقلة وقد يكون بعد المسافات، أيضا أغلب الجدات بتن يفضلن العيش في منازلهن وخاصة بعد وفاة أزواجهن، لقضاء ما تبقى من العمر في وسط الذكريات ومقومات العيش التي كانت تمارسها في تلك الفترة، ويحظين بزيارات متكررة من قبل الأبناء والبنات، وقد يكون للحياة وإيقاعها السريع وتطورها دور في ذلك كبير، غابت الجدة وكذلك غابت صورة الأم، فغاب المشهد الإنساني العاطفي الجميل، هذا الغياب تم تعزيزه في بعض منازل الأسر في وجود الخادمات أو المربيات للضرورة في ظل غياب بعض الوالدين، بسبب انشغال الأم أو الأب بالعمل أو غيره، فتقوم هذه المربية أو الخادمة بتربية الأبناء مما يحدث آثارا اجتماعية وأنماطا سلوكية غير جيدة نظرا لاختلاف البيئات أو الديانات وبالتالي تغيب أساليب التربية السليمة، قد تعامل هذه المربية أو الخادمة هؤلاء الأبناء بطرق عنيفة وقسوة، لفقدانها عاطفة الأمومة تجاههم مما يكرس ذلك في تكوين شخصيتهم على العنف والانحراف أو حدوث العاهات لهم والأمراض، فهي لا يهمها هؤلاء الأبناء فكل همها استلام راتبها الشهري الذي تتقاضاه من كفيلها شهريا، وقد حدثت صور إجرامية كبيرة في حق الأطفال في سنوات مضت، أتألم كثيرا حقيقة عندما أشاهد بعض الصور السلبية لبعض أبناء وبنات الأسر وهم يودعون بعض الخامات أو المربيات بالأحضان والبكاء في المطارات خلال السفر لبلادهن ومنهم يقطع المسافات لزيارتهن في بلادهن، وهذا دليل قاطع على غياب الأم عن مشهد التربية طيلة هذه الفترة، والتعلق بالخادمة وتعليماتها وتوجيهاتها، وقد تكون النتائج عكسية وقد يكتسبون عادات وسلوكيات سيئة، هنا لا نعمم بأن كل الخادمات المربيات غير جيدات، قد يكون فيهن الجيد وقد يكون فيهن السيئ، ولكن دور الأم ودور الأب لن يقوم به أحد غيرهم لكي يحافظوا على مكانة أبنائهم وبناتهم والحفاظ على لغتهم وتحسين وتعديل سلوكياتهم، على التربية الإسلامية والأخلاق الحسنة، فصورة الجدة اللطيفة أفلت، ولكن متى ستعود صورة الأم والأب الذهنية الجميلة لمشهد الحياة من جديد.
@alnems4411



