[email protected]
ظاهرة عجيبة تلك التي سرت بوادرها بين أوساطنا الثقافية في عالمنا العربي، فقد ظنت تلك الأوساط وهي تشاهد بريق الحضارة في الغرب أنها لن تستطيع الوصول إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة إلا باستيراد أفكارها ومبادئها ومذاهبها الثقافية تمامًا كما نقوم الآن باستيراد السيارات والطائرات والأجهزة الكهربائية ونحو ذلك، صحيح أن دخول التقنية العلمية إلى ديارنا العربية أدى الى تغيير وتجديد حياتنا، غير أن ذلك لا يعني أن مذاهب الغرب وأفكاره ومبادئه الثقافية صالحة هي الأخرى لمجتمعاتنا، وبإمكانها أن تحقق ما حققته التقنية من تغيير وتجديد وتحديث في حياتنا الثقافية العربية، هذا شيء وذاك شيء آخر، فلا يمكن التسليم جدلًا بأن من ضرورات لحاقنا بركب التحضر والتقدم والنمو أن نقوم باستيراد أفكارالغرب، كما قمنا باستيراد أجهزته وأدواته العلمية، فهذا ليس تجديدًا أو تحديثا او تطويرًا لحياتنا الفكرية والثقافية، كما يذهب إلى ذلك دعاة التجديد «والتحديث»، وإنما هو تخريب واضح لتقاليدنا العربية والثقافية الأصيلة؛ لأن هذه الدعوة لا تقوم على أسس أو أصول مرعية، وإنما تقوم على التغيير لمجرد التغيير، وهذا أمر خطير لا يدفع إلى السخرية والاستنكار فحسب، ولكنه يدعو للأسف أيضًا.
وأظن أن من الضرورة بمكان أن نصل إلى حقيقة جوهرية يبدو أنها غائبة عن أذهان بعضنا، وهي أن «دعاة التجديد» لم يستطيعوا المواءمة أو لنقل «الموازنة» بين تراثهم الثقافي الذاتي وما نقلوه «نصًّا» من الغرب، فضاعوا في متاهات ثقافية لا أول لها ولا آخر، وأخذوا «يتخبطون» في تناقضات لا أخال أنها خافية على مَن يتابع كتاباتهم «البهلوانية» العجيبة، هذه الموازنة المطلوبة لو أدركوا أبعادها جيدًا لاكتشفوا أن لغتنا العربية الجميلة هي وحدة قوية متماسكة، وأن تاريخها الطويل بما يحمل من زخم فكري ولغوي وأدبي قد يدفعنا إلى الاستغناء عن قنوات غربية غريبة عنا في أفكارها ومعطياتها، هذه الوحدة القوية المتماسكة تبدو جلية واضحة في استمرارية العطاء الفكري منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحاضر، فنحن مشدودون إلى أصول تراثية، لاسيما فيما يتعلق باللغة ومفرداتها بوجهٍ خاص، ورغم ما تحقق على مر العصور السابقة من تأثر واضح بمختلف الحضارات إلا أننا كنا أكثر اقترابًا من اللغة، وأكثر التصاقًا بها.
[email protected]
[email protected]



