[email protected]
كثُر الجدال بأوساط المثقفين في كل مكان حول العولمة وإمكانية ربطها بحضارة المستقبل، ورأى بعض دعاتها أن تراث الأمم هو من صنع البشر، وأنها صناعة قابلة للتغيير أو التبديل، وأن خريطة العالم الثقافية يجب أن تتجاوز الحدود دون أي اعتبار من الاعتبارات، وأن المركزية الغربية هي الحضارة المدنية المقبلة، وأن سائر الشعوب بمَن فيها الشعوب العربية والإسلامية لن تعيش بمعزل عن العالم، وأن العولمة حينئذ ستغدو خيارًا حتميًا لكل أمم الأرض دون استثناء، وتلك مسارات فكرية لا يمكن الركون إلى صحتها، فهي قابلة للرفض المطلق وعدم الخضوع لمسلماتها، حيث إن قدرة بعض الأمم على تشكيل ملامحها سوف تتعارض حتمًا مع محاولة الاتجاه نحو توحيد العالم داخل دائرة ثقافية ذات مرجعية ومركزية واحدة، رغم توافر مجموعة من العناصر التي قد تفرضها طبيعة التقارب بين الأمم والشعوب بشكل أو بآخر.
غير أن تجاهل ثقافات الشعوب لا يبدو منطقيًا، والتحول عنها قد يبدو مستحيلًا، ذلك أن العناصر المهيمنة على «المرجعيات الخاصة»، إن جاز التعبير، والمنحدرة من أصول ثقافية تخصّ كل أمة لا يمكن تجاوزها بسهولة، والقفز على معطياتها، بمعنى أن الدعوة إلى عولمة غربية إذا تجاوزت خصوصيات الأمم الثقافية فإنها ستتحول وقتئذ إلى صراع بين الحضارات بدلًا من التقارب الثقافي المزعوم، وللخروج من هذه الإشكالية بسلام وطمأنينة لابد في هذه الحالة من مواجهة تلك الدعوة باستنهاض مشهود لهويات المرجعيات الثقافية لكل أمة من الأمم، وخير مثل لأهمية الاستنهاض العودة إلى المرجعية العربية التي تعاملت «قديمًا» مع كل ثقافات «الغير»، إبان الفتوحات الإسلامية المظفرة، وهو تعامل صائب استفادت منه الثقافة العربية وحافظت على خصوصيتها بكل اقتدار وفاعلية وثبات، وهي خصوصية مرجعية لم تكن قابلة للذوبان في ثقافات غيرها بالطريقة الحاضرة التي تحاول تهميش الهويات والقفز عليها.



