المشاكل وجديد الأشياء، تضعنا في مهب سطوتها، وذلك عندما يسأل أحدهم الرأي حولها. تحركت هذه المقولة في ذهني لأسباب منها، أنباء محاولة عزل الرئيس الأمريكي ترامب. حيث ورد اسم (مجلس الشيوخ الأمريكي).. فهل هو المخول لوضع كلمته النهائية؟ معه تذكرت مقولتنا العربية (الشيوخ أبخص).
نحن كعرب من ابتكر مفهوم المجالس. نحن أيضا من زرع وهيَّأ لكل مجلس شيوخًا، وأنبتنا منهم رئيس شيوخ. فكان البيت العربي بكامله مجلسا كبيرا، فقلصناه، فأصبح لكل بيت عربي مجلس خاص، وجعلنا لأهل البيت صالة عامة، لممارسة فوضى الحياة في البيت، فهل أسسنا أيضا بهذا علم ازدواجية المواقف والمعايير والتناقضات؟
مقارنة بين (الشيوخ أبخص) عربيا وأمريكيا، وجدت الكفة تميل لمجلسنا العربي، حيث المَظْهَر يخفي المَخْبَرْ. من النّاحية الشكلية الأمر واحد، كذلك النتيجة، والمهمة، والهدف. الاختلاف الذي وجدته، أن هذا عربي وذلك أمريكي. يعني أن للغة دورا مهما، فهي الوسيلة التي تحول الكلام لرموز يسهل فهمها، أو يتعقد أمرها.
هناك مجالس عالمية جعلت الحق باطلا والباطل حقا خاصة مع العرب، فهل الهدف عقابهم على اختراع نظام المجالس؟ عندما تعمقت في مفهوم (الشيوخ أبخص)، وجدت أن معنى (الشيوخ) عند العرب، تعني (الحكماء)، (الكبار)، (أهل القرار)، (أهل الخبرة)، أيضا تعني (العقلاء).
لكن كيف عشت هذا المصطلح منذ صغري حتى اليوم؟ تتكون قريتي من ثمان (لِحَام) تمثل أصل مجموع الأُسر في القرية، لكل لحمة مجلس يضم رجالها. لهم كبير هو حكيمها وعاقلها، يضعونه مرجعا لهم في كل صغيرة وكبيرة. هذا الكبير يمثلهم في مجلس القرية. مجلس يضم عُقَّال القرية من ممثلي اللحام الثمانية. في نهاية المطاف هو مجلس شيوخ القرية. يضعون أحدهم رئيسا لهذا المجلس، بلقب (عَرِيْفَة).
عريفة القرية يصبح مندوب القرية في مجلس شيوخ القبيلة. مجلس يضم عرفاء كل قرى القبيلة. وقد انتخبوا أحدهم رئيسا، ثم منحوه لقب (الشيخ). أي شيخ القبيلة. ولأن الأشياء في القرية ثابتة لا تتغير، وكل شيء موروث ومطبق من قرون عديدة، تصبح الحكمة في كبار السن، الذين أجادوا حفظ هذا الإرث، وصيانته، وتطبيقه، كجزء من استدامة حياتهم.
في شبابي بالمرحلة الثانوية، تنبأ لي فيلسوف القرية وحكيمها (عبد الله المذرع)، رحمه الله، قائلا: (ستصبح من كبار الجماعة). يقصد أهل القرية. كأنه وضع بذرة في نفسي، لشيء كان يراه، وهنا نقول (الشيوخ أبخص). رعيت البذرة بتذكرها كمداد مستدام العطاء. وكانت ترافقني في مسيرة حياتي العملية والدراسية.
مع كبري تفرق الجماعة في جميع أنحاء المملكة. كنتيجة غاب مجلس القرية ومجلس القبيلة. فوجدت نفسي في قرية علمية جديدة، اسمها (الكلية)، تتكون من لحام (أقسام)، تابعة لقبيلة علمية اسمها (جامعة الملك فيصل)، وفيها أصبحت عضوا في خمسة مجالس، على رأسها مجلس الجامعة، الأعلى شأنا وأهمية، وترأست مجلسين. هكذا تحققت النبوءة، فأصبحت من كبار الجماعة، في قبيلتي الأكاديمية الجديدة.
الخلاصة، غادرت القرية شابا، ففقدت أن أكون عضوا في مجلسها. ثم غادرت الجامعة متقاعدا، ففقدت عضويتي في مجالسها. أخيرا اكتشفت أن لدي عضوية دائمة ومبهجة، حيث أزاح التقاعد الستار عنها، إنها عضوية مجلس الحياة، مهمته زراعة بذرة الأمل في نفوس الناشئة، حيث (الشيوخ أبخص).



