تواترت القراءات لميزانية الدولة منذ إعلانها مساء الثلاثاء الماضي محليا ودوليا، وأجمعت معظم تلك القراءات على أنها ميزانية استثنائية بأرقامها العملاقة غير المسبوقة، وبعناوينها، ومحدداتها، وأسهبت تقارير مراكز البحوث الاقتصادية الدولية، وبيوت المال في الإشادة بقدرة الاقتصاد السعودي على الانسجام مع معطيات الرؤية، والدفع باتجاه تنويع مصادر الدخل، وتعزيز قواعد الإنتاج، والابتعاد شيئا فشيئا عن الاقتصاد الريعي، وقد لا نضيف جديدا بعد تلك الإشادات التي جاءت من مؤسسات مالية عريقة في حال العودة لاستعراض أرقام الميزانية، لكننا نعتقد أن ثمة ما هو مسكوت عنه في تفاصيل هذه الميزانية الضخمة والتي رجحت كفة الاقتصاد السعودي، وبينت مثاقيله الاقتصادية بين اقتصادات العالم، وقدرته الفذة على الانتقال من الأداء التقليدي إلى الأداء الديناميكي الأكثر حيوية، والذي وضع البلاد على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة رغم كل ما يحيط ببلادنا إقليميا من العواصف والاضطرابات الكفيلة بإعاقة أي اقتصاد عن أداء دوره كما ينبغي.
الميزانية السعودية لم تعد تحسب خطواتها بالعام المالي، نتيجة تسارع الأداء، وحركية الاستثمارات، وهو ما دفع وزارة المالية للإفصاح الربع سنوي لملاحقة النمو، وسرعة إيقاع رتم الاقتصاد الجديد وحيويته، بعد أن تعددت أدواته، وما عاد حصرا على عوائد النفط، بل بعد أن ضخت السياسات المالية الدماء النقية في صندوق الاستثمارات، وحولته بجدارة إلى رافعة اقتصادية كبرى قادرة على تحريك الاقتصاد السعودي، وتسريع خطواته، وبعد أن تم وضع السياحة بكامل أنواعها من سياحة الآثار إلى سياحة التراث، إلى السياحة الرياضية على خطوط الإنتاج، مما دفع قوى البلاد الكامنة إلى العطاء لتصب في النهاية في قناة الاقتصاد الوطني، ولتحولها إلى أمواج فاعلة من الحياة الاقتصادية التي تستقطب رؤوس الأموال، وتضخها في شرايين الاقتصاد السعودي. وهو ما أفضى في غضون ثلاث سنوات هي كل عمر الرؤية إلى إعلان مثل هذه الميزانية الترليونية رغم اضطراب أسواق النفط واهتزازها صعودا وهبوطا، وهذا هو ما يجب أن نتوقف عنده عند قراءة معطيات هذه الميزانية بسماتها الدلالية الهامة، وببصمتها الاستثنائية التي وجد فيها الكثيرون من خبراء المال والاقتصاد مؤشرا واضحا على سلامة الخطط التي قامت عليها رؤية السعودية 2030، وقرأ فيها آخرون موقع هذه البلاد الذاهب إلى الأمام بثقة على خارطة الاقتصاد العالمي، ذلك لأن الأرقام لا تكذب، ولا تعرف المواربة.



