الصوت الإنساني يظل هو الصوت الإنساني الذي قد يتغير هو طبيعة ونبرة ذلك الصوت والمجال الذي يمكن أن يتحدث فيه، أتمنى ألّا يستغرب أحد حديثي عن أقدم صوت إعلامي أهلي، أو فردي خاطب الناس كل الناس وكان جزءاً من حياتهم لسنوات، ذلك هو صوت طامي صاحب أول إذاعة أهلية خاصة عرفتها المنطقة الوسطى. في مطلع الثمانينيات الهجرية، حيث تقول المصادر: إن المواطن السعودي عبدالله السعودي الشهير بطامي، شارك مع الأشقاء العرب في الشام في دحر المعتدي الفرنسي، وأن الرجل كان له ولع بأجهزة اللاسلكي والإرسال، والاستقبال وله ابتكارات عديدة، وعاد للرياض برتبة ملازم ولكنه كان يحمل حلما واحدا هو أن يفتح ورشة لإصلاح أجهزة المذياع وصيانتها ولكن الظروف الاجتماعية والثقافية حينها لم تكن مواتية، فعكف الرجل على صناعة مرسلة إذاعية مبسطة، وجربها بنفسه أي إنه كان يرسل ويستقبل بنفسه كفترة بث تجريبي حتى حصل على موافقة السلطات في حينها ممثلة في مجلس الوزراء وراح يبث أربع ساعات يوميا من بعد صلاة العِشاء. الطريف الذي يجمع اليوم أن طامي كان هو الإذاعة بمعنى أنه كان المرسل والمعد والمذيع، حتى إن بعض الطرائف تنقل عنه أنه كان يقول: إليكم نشرة الأخبار يقرؤها عليكم أنا. وكان يجمع الأخبار من الإذاعات المجاورة التي كان بثها يصل للرياض، ومن الإذاعات الدولية التي تبث بلغات غير العربية كون الرجل مطلعا على بعض اللغات الأخرى، كان يصنف الأخبار ويطلع القيادة حينها على مضمونها، وكانت الإذاعة الرجل تقوم بأدوار اجتماعية بناءة مثل الإعلان عن المفقودات، وخلافه، وتنقل الروايات عن السيد طامي -رحمه الله- أنه كان يكافئ من يعثرون على الأشياء الضائعة ويعيدونها إلى أصحابها بهدية رمزية كأغنية ما أو حديث في شأن مخصص. لغة الإذاعة كانت العربية بكل تأكيد ولكنها كانت باللهجة العامية، وربما يكون هذا أحد أسرار تعامل وتفاعل الناس معها. يقال: إن إذاعة طامي استمرت ثلاثة أعوام تقريبا وتوارت عن المشهد عندما حلت مكانها إذاعة الرياض الرسمية. التي انضمت إلى فضاء الإذاعات العربية التي كانت عاملة في حينها في القاهرة، والكويت وبغداد. وهذه مفارقة أن الصوت الفردي ترك الساحة الإعلامية للصوت الرسمي بعكس الذي يحدث اليوم، وهو أن الأصوات الفردية وعلى الرغم من وجود عشرات القنوات الرسمية والأهلية الخاصة بقي الصوت الفردي موجودا وبشكل مثير للقلق، ولكم أن تتخيلوا اليوم السهولة التي يمكن أن ينشئ بها أي فرد له خبرة بسيطة بالحاسب الآلي والأجهزة الذكية قناة يوتيوب، يقول فيها ما يشاء. ونعود للمعضلة في الحالتين وهو مضمون القول، ما الذي يقال في كلتا الحالتين وكيف يقدم للناس، وكيف يؤثر على ثقافتهم المتأتية من قنوات الأفراد التي أصبحت سيلا جارفا يكاد يخرج الإعلام الرسمي من مكانه في مسألة الرأي حول القضايا الخلافية سياسيا واجتماعيا. أحد أصحاب القنوات المنتشرة على اليوتيوب، قضى زمنا طويلا في منصب رئيس تحرير ومالك لصحيفة مهاجرة، وبعد هذا العمر والتجربة الجدلية مع الأنظمة والمجتمعات العربية، أنهى خدمات الصحيفة اللندنية الأشهر، واكتفي بصحيفة إلكترونية وقناة يوتيوب يقول فيها بعض الذي لا يستطيع قوله في الصحيفة، الرجل أصبح أحد المعمرين في الصحافة العربية ولكنه لا يزال يبحث عن متابع، أو عن حفنة دولارات من إعلان أو زيادة مشاهدين لقناته، المفارقة أنه بدأ حياته الصحفية كاتبا ومصححا للأخبار في الصحافة السعودية، واليوم يكيل للصحافة السعودية وللمملكة كثيرا من السواد الذي بداخله.
رجل آخر هو في الحقيقة طارئ على الصحافة والإعلام وكل شهر تقريبا ينشئ قناة يوتيوب ويطل على الناس بثقل كبير، المذكور بدأ بالإلحاد واللعب في الانتماءات المذهبية، وختم أمره بالانقلاب من ضفة إلى أخرى دون أن يحرق أو يتلف حالات الاستجداء القديمة والتسول اليوتيوبي، رحم الله طامي الذي قال كلمته ومضى وأعاننا الله على احتمال المتلونين، والمتقلبين.



