DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

درب الزلق

درب الزلق

درب الزلق
هل للنقد حدود؟ سؤال يتبادر إلى الأذهان عندما يتنامى الصراع في معركة ظالمة وشرسة بين طرفين وفي موضوع يبدو في جوهره أقل من أن يستحق قيام هذه المعركة التي تستهدف شخصا بعينه، وليس موضوعا من تلك المواضيع القابلة للنقاش، وربما يبدأ النقد حول موضوع معين ثم يستهدف صاحبه لتتحول ساحة «المعركة» إلى ميدان تتقاذف فيه الشتائم، وتتطاير فيه الاتهامات، وتراق فيه دماء الاخلاق الحميدة، وتذبح فيه القيم السامية، بحجة حرية الرأي، وبدعاوى حق النقد، وإذا الصراع الذي بدأ بين ذوي الاختصاص.. قد تدخلت للخوض فيه المتردية والنطيحة، ممن لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الأمر، أو من الذين يعرفون أصل سبب هذا الصراع وإنما هم كالغبار الذي تجلبه المعركة الدائرة، يزيد في انعدام الرؤية، وتضيع الحقيقة، وإذا بحث عنها من ينشدها، فلن يجدها: وقديما قيل: (كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر) وفي ظل ما يسمى «الإعلام الجديد» ومع توفر أجهزة الاتصالات في أيدي الصغار والكبار، سنا وعقلا ورجولة، إلى جانب تعدد مواقع التواصل الاجتماعي واتساع فضاءاتها وسهولة التعامل معها، وغياب القوانين الرقابية العقابية الصارمة، تنشأ بؤر ما يمكن تسميته بؤر الفساد الإلكتروني، وهي تلك البؤر التي قد تكون بداياتها هادفة لكنها ما تلبث أن تنحرف عن أهدافها عندما يتكالب عليها الفارغون من الوعي، أو الذين يقال عنهم: (مع الخيل يا شقرا) ليختلط الحابل بالنابل، ويضيع الجاد مع الهازل، وتلك أكبر المهازل، في نظر كل عاقل. وعندما يتكرر هذا الامر دائما حول مواضيع تبدأ صغيرة ثم تكبر مثل كرة الثلج، وتوجه بفعل أيد خفية إلى أشخاص مستهدفين، فإن الأمر يصبح جديرا بالتأمل، وعلى المختصين في علم النفس وعلم الاجتماع، البحث عن أسباب هذه الظواهر التي تطفو على السطح وينشغل بها الجميع في معارك لا تنتهي في موضوع لا أهمية له، إلا لتبدأ في موضوع آخر أقل أهمية، أو ما أن تنتهي عن شخص، إلا لتبدأ عند شخص آخر، ويظهر فجأة من ينفخ فيها ويغذيها، لتصبح غولا مخيفا يزعج الناس بجعجعته وصخبه، فتزدهر «اللقافة» و«الهيافة» و«السخافة» وينشغل الناس عن المواضيع الأصيلة بالمواضيع الهزيلة، وكأن مشاكلهم قد انتهت ولم يبق لديهم غير هذه المواضيع، ينشغلون ويشغلون غيرهم بها، في موجات صاخبة من تبادل الاتهامات، التي تصم الأذن وتعمي الأبصار، ويكون المتهم فيها عرضة للنهش في بدنه ومذهبه وبلده، وكأن وراء الأكمة ما وراءها، فتصعيد المواقف بهذا الشكل الكبيرلا بد أن يكون بفعل فاعل، ثم ينخرط فيه كل من هب ودب، دون مراعاة لتحكيم العقل أو خوف من عقاب إلهي أعده للظالمين والمفترين، وتلك المعارك لا تخلو من ظالم ومظلوم، ومفترى عليه. والعقل وعاء الحكمة، إذا لم تشغله بالجاد من الأمور، فإنك تتيح للمهازل أن تتسرب إليه؛ لانه بحاجة لديناميكية مستمرة، أنت توفر له أسبابها بحسن أو سوء اختيارك، وهو القادر على الفرز بين الخطأ والصواب إذا اتيحت له فرصة الاختيار، أما إذا أرغمته على اختيار الأسوأ، فإنه سوف ينصاع لك، لكنك وحدك من ستتحمل نتيجة ذلك، والذين يستعينون بعقولهم يجدونها قادرة على قيادتهم إلى درب الصواب، أما الذين يهملونها أو لا يحتكمون إليها عند الحاجة، فلا مفر لهم من الوقوع في «درب الزلق»، حيث تكون الضحايا بالجملة، عندما تتكشف الأمور، ويتضح هول الخسارة التي قد تكون بين أفراد الاسرة الواحدة أو المجتمع الواحد أو الوطن الواحد، ومن يذكي نيران هذه الصراعات ينسى أنه يساعد الأعداء على إضعاف وعرقلة مسيرة المجتمع والوطن، بل وتشويه صورة الإنسان نفسه في هذا المجتمع والوطن، ليبدو ضعيفا ومهزوما أمام ما يحاك له من دسائس، وكيف يلتفت لهذه الدسائس ما دام منهمكا في تدمير ذاته بمعارك جانبية تستهلك طاقته، وتعطل قدراته على العطاء والإنتاج والإسهام في الحراك التنموي الشامل. وعودا على بدء: هل للنقد حدود.. والجواب: نعم، وهي حدود موضوعية وأخلاقية صارمة، وعلى الجميع التقيد بها، للابتعاد عن الوقوع في «درب الزلق.»
المزيد من المقالات