في سيرة سيد البشر، صلوات الله وسلامه عليه، لما أيقنت قريش أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم نجا من محاولاتهم الخبيثة وتوجه للهجرة، اجتمعت في جلسة طارئة مستعجلة، وقررت استخدام جميع الوسائل التي يمكن بها القبض على محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة، في جميع الجهات، تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين، وحينئذ جدّ الفرسان والمشاة وقصاص الأثر في الطلب، وانتشروا في الجبال والوديان والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى وبغير فائدة، حتى وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن الله غالب على أمره. روى البخاري عن أنس، عن أبي بكر، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرفعت رأسي، فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «اسكت يا أبا بكر، اثنان، الله ثالثهما»، وفي لفظ: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما».
وقد كانت معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد رجع المطاردون حين لم يبق بينه وبينهم إلا خطوات معدودة.
تأمل هذا المشهد العظيم؛ قريش بكل قوتها ورجالها وسلاحها تقف على باب الغار، ورجلان أعزلان بداخله، ومع ذلك عجزت قريش عن الوصول إليهما؛ لأن الله كان معهما.
فلماذا تخاف من بشرٍ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟ ولماذا ترهن سعادتك بمستقبلٍ لم يأتِ، وتستنزف حياتك في مخاوف قد لا تقع؟
توكل على الله، وخذ بالأسباب، وامضِ في حياتك شجاعًا مطمئنًا، ولا تجعل الخوف من المخلوقين يحرمك الثقة بالخالق.
وتذكّر دائمًا: ليس الشجاع من لا يخاف، وإنما الشجاع من لا يسمح للخوف أن يهزم ثقته بالله.

