وقد اعتمدت اليونسكو هذا اليوم في عام (1994م)، فيما صدرت التوصية بشأن أوضاع المعلمين عن منظمة العمل الدولية واليونسكو عام (1966م)، وتناولت أهمية مكانة المعلم وظروف عمله، والتأهيل والتطوير المهني المستمر، والأجور المناسبة، بما يعزز مكانته وقدرته على أداء رسالته التعليمية. وقد اعتُمدت التوصية في الخامس (5) من أكتوبر عام (1966م)، وهو التاريخ الذي أصبح لاحقًا مرتبطًا باليوم العالمي للمعلمين.
والحقيقة أن التعليم لم يكن يومًا مجرد نقل للمعلومات أو تلقين، بل هو رسالة تربوية ووجدانية. ومن المعلوم أن بعض المعلمين يمتلكون الكاريزما والقدرة على غرس القيم والأخلاق، والمساهمة في تنمية التفكير، وصقل شخصية الطالب، وتحفيز شغفه، واكتشاف قدراته. وهذه الرسالة، هي بلا أدنى شك، أمانة مهمة وكبرى، وقد صدق الشاعر أحمد شوقي حين قال: «كاد المعلم أن يكون رسولًا»، خصوصًا أن الطلاب تتشكل أفكارهم وعقولهم في المراحل الأولى من التعليم، وكل منا ربما يتذكر على الأقل معلمًا واحدًا ترك أثرًا لا يُنسى في حياته الدراسية.
وفي السنوات الأخيرة، ظهر حضور جديد خلف الشاشات لا يمكن التغافل عنه، ألا وهو «الذكاء الاصطناعي»، الذي يتوسع استخدامه في مجالات عدة، منها التعليم. ولكن المتأمل في المشهد حاليًا، دون الدخول في توقعات المستقبل، يلاحظ بروز تساؤلات حول مستقبل المعلم وإمكانية استبداله بالروبوت أو الذكاء الاصطناعي. غير أن الواقع والتجربة الميدانية يؤكدان أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها حتى الآن، لا تزال تفتقر إلى جوانب إنسانية مهمة، منها الذكاء العاطفي، والتواصل الإنساني، والقدرة على مراعاة مشاعر الطلاب، وتقديم الدعم والإلهام في لحظات التعثر الدراسي والمعنوي، فضلًا عن غرس القيم الأخلاقية، والتوجيه بالقدوة الحسنة داخل المدرسة.
وبناءً على سبق، إذا كان الذكاء الاصطناعي لا يملك هذه الجوانب الإنسانية، فهذا لا يعني رفضه البتة، بل يمكن توظيفه لمساعدة المعلم، كمساعد ذكي يُمكّن المعلم من تخصيص التعليم وفق احتياجات كل طالب، ويتحمل الأعباء الروتينية والمهام الإدارية، مثل التصحيح التلقائي، وإعداد أوراق العمل، ومتابعة الأداء وغيرها. وهذا التكامل يتيح للمعلم التفرغ لرسالته الأسمى، ولذلك نقول: لن يحل الذكاء الاصطناعي محل المعلم، بل إن المعلم الذي يجيد استخدامه سيكون أكثر قدرة على مواكبة التطور والاستفادة من أدوات العصر.
وإذا كان المعلم سيظل محور العملية التعليمية، والذكاء الاصطناعي مساندًا له، فإن تحقيق نقلة نوعية في التعليم يتطلب أيضًا الاهتمام بمهنة التعليم نفسها. ولعلنا نستفيد من تجارب دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان، من خلال اختيار المعلمين وفق معايير أكاديمية ومهنية مرتفعة، وتوفير التطوير المهني المستمر، ورواتب وحوافز جاذبة، وتعزيز مكانة المعلم مهنيًا واجتماعيًا، بما يتناسب مع متطلباتنا المحلية واحتياجاتنا التعليمية.
فلعلنا ندرك أن التعليم هو المعلم، والمعلم هو التعليم!



