قد يبدو المشهد عابرًا، لكنه قد يخفي شيئًا أعمق مما نتصور.
قبل أكثر من قرن، حاول الطبيب وعالم النفس النمساوي ألفرد أدلر تفسير هذا النوع من السلوك، ولفت إلى أن الإنسان يبدأ حياته وهو يشعر بالنقص أمام الكبار من حوله؛ فالطفل أضعف وأقل قدرة، واعتماده على الآخرين أكبر. ومن هذا الشعور ينشأ دافع طبيعي للتعلم والنمو والتغلب على العجز.
لكن هنا تبدأ الحكاية الأخرى.
فالشعور بالنقص ليس المشكلة. المشكلة حين يتضخم هذا الشعور حتى يصبح الإنسان أسيرًا له، فيرى نفسه دائمًا أقل من الآخرين، ويصبح نجاحهم تذكيرًا بفشله، ونقدهم تهديدًا لقيمته، حتى نجاحه الشخصي غير كافٍ لإقناعه بأنه جدير.
وهذا ما أطلق عليه أدلر مفهوم عقدة النقص.
ومن زاوية أخرى، تكشف البحوث الحديثة أن المقارنة الاجتماعية ليست سلوكًا هامشيًا في حياتنا. فقد بينت مراجعة بحثية واسعة أن مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين ترتبط بتقييمه لذاته ومشاعره تجاه نفسه، وأن أثر المقارنة يختلف حسب اتجاهها، والسياق الذي تحدث فيه، وطريقة تفسير الشخص للفارق.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي جعلت المسألة أكثر تعقيدًا؛ فنحن لا نقارن حياتنا بحياة شخص آخر فحسب، بل نقارن واقعنا اليومي بما اختار الآخر أن يعرضه من حياته. وقد وجدت دراسة منشورة في دورية علم النفس الاجتماعي والسريري ارتباطًا بين الاستخدام المتكرر لفيسبوك وتزايد المقارنة الاجتماعية ومشاعر انخفاض تقدير الذات لدى بعض المستخدمين.
ومع ذلك، ينبغي ألا نخطئ في فهم الصورة: ليس كل شخص يقارن نفسه بالآخرين يعاني عقدة نقص، وليس كل طموح محاولة لتعويض نقص داخلي. فالبشر يقارنون أنفسهم لأسباب كثيرة، وقد تكون المقارنة أحيانًا وسيلة للتعلم والتحفيز.
لكن الفرق يظهر في السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه.
الشخص الذي يرى نجاح الآخر ويقول: «ماذا أستطيع أن أتعلم منه؟» يتحرك إلى الأمام. أما من يقول: «ماذا ينقصني حتى أكون مثله؟» فقد يبدأ رحلة لا تنتهي؛ لأن هناك دائمًا من هو أكثر مالًا أو جمالًا أو شهرة أو نجاحًا.
وعليه، قد لا تكون عقدة النقص في أن يرى الإنسان عيبًا في نفسه، وإنما في أن يجعل هذا العيب تعريفًا كاملًا لذاته.
وهنا تكمن المفارقة: أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى أن يصبح أفضل من الآخرين، بل إلى أن يتوقف عن استخدام الآخرين مقياسًا لقيمته.
الجملة الذهبية:
حين تجعل قيمتك رهينةً بمقارنة نفسك بغيرك، فلن يكفيك نجاحك؛ لأنك ستظل تبحث عن شخص تتفوق عليه.
دفتر الكاتب:
اسأل نفسك اليوم: عندما ينجح شخص قريب مني، هل أراه مصدر إلهام أم دليلًا على أنني أقل منه؟ قد تكشف الإجابة عن علاقتك بنفسك أكثر مما تكشفه أي إجابة أخرى.



