DAMMAM
الخميس
34°C
weather-icon
الجمعة
icon-weather
34°C
السبت
icon-weather
37°C
الأحد
icon-weather
33°C
الاثنين
icon-weather
34°C
الثلاثاء
icon-weather
36°C

عذرا مجتمعي - 3

عذرا مجتمعي - 3

عذرا مجتمعي - 3
بدأنا في المراحل الدراسية وتتابعت السنوات وتم اختيارنا لتخصصاتنا ليس وفق ما نهوى، بل وفق ما تهوى القدرات لقدراتنا، التي قد تتغير مع مرور السنين، وقد يحدث أن أتفوق في القدرات، لكن تقف حدودي هنا واتراجع عن التفوق وأنا في كليات صحية، وقد يكون العكس أن تلقي بي القدرات في كليات أدبية فاجد نفسي قد تفوقت على قدراتي وأصبحت في أول الركب لا في آخره، لكن هيهات الآن أن يحصل هذا الامر فقد قيدتنا القدرات وفق هواها الذي تم تقريره دون حتى النظر إلى أي عواقب تليه، وليس هذا مهما، بل المهم هو: وماذا بعد الجامعة؟؟ قد نجد الوظيفة وقد نقبع في المنازل ونستطيع بعد جهد جهيد أن نستمر في الدراسات العليا رغبة في عدم البقاء بالمنزل وليس رغبة في العلم، وإن تم التوظيف فالعلم عند الله أن معظمنا سيكون في غياهب البلاد وفي مناطق قد نسمع عنها للمرة الأولى سواء أكانت في أقصى الشمال أو أقصى الجنوب، وسواء هنا أو هناك اقرأوا معي الحاصل وأنظروا كيف انتهى مصير هذين الاثنين اللذين تم توظيفهما في أقطاب البلاد. وأعتذر لذكر أسماء وهمية لرغبة الشخصين في بقاء الأمر بعيدا عنهما خوفا من تهكم المجتمع. (محمد) تخرج في كلية علمية وجهتها إليه القدرات طبعا ومنها تخرج بنسبة ضعيفة جدا لا تكاد تذكر ليحظى بنعمة من الله على وظيفة في اقصى الشمال فكان القبول وكان الترحال وترك الأهل والأحباب. توجه للشمال حاملا معه الهم والغم والحزن، غادر وهو يقول في نفسه: (هي وظيفة ستنتهي بالنقل إن شاء الله تعالى)، فما كان منه إلا أن خاض غمار التعليم لطلبة في الثانوية العامة لا يفقهون من المادة العلمية أي أمر، بل على العكس يكاد يقسم بأنهم يكتبون أسماءهم بطريقة خاطئة، فناقش المدير الذي قال له بكل بساطة: (مش الوضع)، وكان ذلك، ومشى الوضع. فأخذ يقلص المادة ويحدد الجزء المطلوب حتى يستطيعوا النجاح، ولم يستطيعوا، وفي المقابل بدأوا معه بكرم أهل المنطقة من ضيافة وحفاوة وساعدوه براتبه البسيط في أن يشتري ماشية وبدأ يتاجر حتى أصبح (صاحب حلال) وكان له النقل، لكن بشروطه. وترك السلك التعليمي وها هو الآن يعيش في رغد الحياة بين أهله وذويه واصبح يعول والدته بعد وفاة أبيه واخويه الاثنين بعد ان كان لا يستطيع أن يفعل لهم شيئا براتب التعليم البسيط الذي كان يرسل معظمه لوالديه. أما (سارا) فقد توظفت في الحد الجنوبي ولولا الحاجة لهذا الراتب الذي تريد أن تعين فيه والديها اللذين لم يرزقا غيرها حتى تُخرجهم من منزل متهالك يكاد يهوي عليهم، باشرت هناك ومعها والداها اللذان لم يتحملا برد المنطقة فما كان منهما إلا العودة وتأمين حياة ابنتهما مع مجموعة من المعلمات. أصبحوا لا يرونها إلا بعد أشهر طويلة خشية عليها من الطريق وحوادثه، وبعد سنة من المعاناة والصبر والتعب والفراق كانت نعمة الله تسير إليها، ولعل ذلك من دعاء والديها الصادق لها، أتت اليها معلمة تريد منها أن تطهو لهم شيئا، لأنها كانت متميزة في هذا الأمر ولن يكون هذا الأمر مجانا. وهكذا بدأت، وأصبح ما تكسبه من هذا الأمر أضعاف ما تكسبه من التعليم. تخوفت في البداية من ترك وظيفة رسمية ثابتة تدر عليها ربحا ثابتا، لكن في نفس الوقت اشتاقت الى أن تعود لوالديها اللذين بلغا من العمر عتيا وبحاجة لوجودها الدائم معهما. فأخذت اجازة دون مرتب وبدأت عملها الخاص وها هي الآن - بحمد الله - استطاعت أن تؤمن لنفسها ولذويها حياة طيبة. وانتقلت من مرحلة الطهو لمرحلة تدير فيها مطعمها الخاص بها وتحت يدها مجموعة من الفتيات يعملن بكل جهد. إلى هنا أقف وإلى هنا اقول: عذرا بلدي وليس فقط مجتمعي. هذان نموذجان بسيطان لمسيرة التعليم والتوظيف ولو فتحنا الملف لرأينا العجب من هذا الأمر الغريب الذي يبدأ بتحديد القدرات وينتهي بالزج بنا إلى عالم لا نعرفه للأسف.
المزيد من المقالات