استكمالا لما ذكرته سابقا عن السعادة وأبعادها لدى الجميع، وليس الجميع بصفة عامة بل بالمجاميع التي تغرد ليل نهار ولا تدع للميديا فرصة لترتاح بل تنتقل من برنامج لآخر، جاءتني بعض الردود صادمة والاخرى معقولة جدا، واخرى مبالغ فيها لعدم منطقيتها.
سأكتب لكم الجمل التي وردتني حين وجهت السؤال التالي (ماذا ينقصك لتكون سعيدا؟).
(تفوق أبنائي على جميع أبناء العائلة حتى أقهر سلفتي، أفتك من السكن في شقة ويكون لي بيت كبير ملكي أنا بس أطارد فيه وكل مكان غير الثاني زي المسلسلات، أتزوج مريشة، يصير عندي رصيد أضيع بأرقامه، أقوم وألاقي بيتي نظيفا وفطوري جاهزا، أدور 24 ساعة وأرجع بس أنام، ما أحط يدي على شيء الا اشتريته، يجيني طقم ألماس يعبي صدري ويلقط العين بعرس عمنا، تنجح تجارتي وأفتك من العمل الحكومي والتحكم فيني، أخلص دراستي وأنام، ألاقي لي وظيفة حول البيت، أصير مدير، يقبلوني بالابتعاث وأطس وأفتك من التعب بهالبيت، يخليني أبوي على كيفي، تصير عندي طيارة كل ما زهقت أروح لأي ديرة بالعالم، والتوفيق بالعمل والدراسة، رضا والدي، إيجاد الزوجة الصالحة، احضر عرس كل ليلة، يصير عندي مشلح هاري بوتر وأدخل أي مكان أبيه وأشوف الناس شي يسوون وخاصة عروس الحريم، ابي اتحول لعصفور أطير إذا جاء الحر لديرة باردة وإذا وصلت صرت آدمي مرة ثانية وأرجع للديرة إذا برد الجو إلى غير ذلك من الاجابات التي يشيب لها الرأس من التفاهة التي حملتها وقلة المدى التي يعيش بها قومي ممن يتكلم اللغة العربية ويعيش برغد العيش ولا يكاد يفتقد امرا من الأمور التي هي بالأصل أساس السعادة واقلها عدم تحمله لأي مسؤولية حتى بلغ من العمر الشيء الكثير.
وحين وجهت هذا السؤال لغير المتحدثين باللغة العربية كانت بعض الإجابات غريبة لأنها تكاد تكون الأصل بالسعادة الحقيقية والبعض الآخر مقارب للسابق ولكن الهدف مختلف واليكم بعضها (أن اؤدي عملي بأمانة، أن اجد وقتا لأكون بين ابنائي، ان يكون لي منزل واسع ذو ساحة خلفية مريحة هادئة، أن أعلم ابنائي العمل الشاق حتى يواجهوا الحياة القادمة، ان أتعلم كل خفايا الجهاز الإلكتروني، أن اعمل في شركة آبل لأطور مهارتي...) إلى غير ذلك من الأمور التي تأرجحت ما بين العقل وقلة العقل ولكن الغالبية العظمى كانت بهذا الشكل.
والمقياس لهذا السؤال ليس بالمقياس الحقيقي للجميع ولكنه كان لشريحة متعلمين مثقفين حاملين للشهادات ذوي مناصب متعددة ومدركين حيثيات الحياة ومع ذلك كانت أفكارهم بهذه التفاهة التي لا يكاد العقل يستوعبها، فكيف بمن لا يحمل فكرا ولادينا وليس لديه أي من النعم التي أنعم الله بها علينا.
موضوع السعادة موضوع شائك وكبير ومتطلبات النفس لا تنتهي ولكل منا بداخله رغبة كبيرة في تحقيق كل ما تصبو إليه النفس وهو كثير ومن المستحيل تحقيقه ولله سبحانه في ذلك حكمة كبيرة هو اعلم بها. ولكن ومع ذلك فإن الدين قد وضع لنا مقومات السعادة وأجملها في حديث سعد بن أبي وقاص - رضِي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أربع من السعادة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الواسِع، والجارُ الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: المرأة السوء، والجار السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيِق)، صحيح على شرط الشيخين.
وذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - أن لسعادة العبد ثلاثة مقومات: «إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر».