حسن السبع

25 دقيقة في اليوم!

لا يكتمل الحديث عن الالتزام بِقِيَم العمل وأخلاقِ المهنة دون استعراض بعض الأمثلة من الواقع اليومي. وفي البدء، أشير إلى دراسة صادرة عن المنظمة العربية للتنمية الإدارية، وأخرى صادرة عن اتحاد تنمية الموارد البشرية بمصر، حيث توصلت الدراستان إلى أن متوسط عمل الموظف العربي في القطاع العام يتراوح بين 20 و 25 دقيقة في اليوم!وإذا كنتَ تشك في تلك النتيجة، فما عليك سوى أن تستعين بالآلة الحاسبة، وتجري جرد حساب على النحو التالي: في العام 365 يوما. وإذا حذفتَ عُطل نهاية الأسبوع، وأيام الإجازة السنوية، وإجازة اضطرارية، والإجازات المرضية، وإجازة عيدي رمضان والأضحى، والساعات التي يقتطعها الموظف من وقت العمل لهذا السبب أو ذاك، والحضور غير المنتج المتمثل في الثرثرة مع الزملاء، وقراءة الجرائد، والانشغال بالهاتف المحمول، وإيصال العيال من المدرسة إلى البيت، وأشياء أخرى لا تحضرني الآن، أقول: إذا حذفتَ ذلك كله فستجد أن النتائج التي توصلت إليها الدراستان ليست نابعة من فراغ. يقال: لا يعالِج خيبةَ الأمل إلا العمل، فلماذا، إذن، يشكل العمل «خيبة أمل» عند كثير منا؟ ولماذا تسود روح الشطارة والفهلوة التي تدفع صاحبها إلى أن ينفذ من خَرْم إبرةٍ للتملص من التزاماته، أو الالتفاف عليها.مع ذلك، لا نستطيع أن نحمّل موظف القطاع العام وحده مسؤولية ذلك التسيب، فقد تساهم بعض الأنظمة واللوائح الإدارية في تكريس ذلك السلوك الوظيفي غير المنتج.لا تقتصر الرغبة في «الزَّوَغان» على موظفي القطاع العام، فالغياب في المدارس بعد كل إجازةٍ مشكلةٌ مزمنةٌ أعْيتْ من يعالجها. ومع أن أيام العطل المدرسية ليست قليلة، إلا أن الطلاب يبحثون عن أي عذر للغياب. حين يسقط المطر، مثلا، يفرح الطلاب. لا يفرحون ابتهاجا بسقوط المطر. فالسؤال الذي يتردد على كل لسان هو: هل سيتم تعليق الدراسة؟ وما دامت موجات الغبار ستحقق حلم تعليق الدراسة والبقاء في البيت، فأهلا ومرحبا بالغبار أيضا! تقودنا هذه التداعيات إلى أهمية إعداد الموظف لفهم وقبول مجموعة المبادئ والضوابط الأخلاقية التي تؤثر بشكل إيجابي على سلوكه الوظيفي، وتنمي لديه الشعور بالمسؤولية، وتحثه على الالتزام بشروط العمل، وتشكل لديه رقابة ذاتية، فيحاسب نفسه قبل أن يحاسب.لا ينسى المنظِّرون عند الحديث عن قِيَم العمل، وأخلاقيات المهنة، أن يشيروا إلى أهمية القدوة الحسنة، ولسان الحال يقول: من شابه «رئيسَه» فما ظلم. وما لم يكن الرئيس قدوة جيدة، فلن يختلف حال الموظف في فهمه للأخلاق عن الطفل في الحكاية التالية: كان جيمي يقف مع جده في طابور أمام المحاسب (الكاشير) في إحدى البقالات. يسأل الجد حفيده قائلا: «جيمي، ماذا تعلمتَ في المدرسة هذا اليوم؟» يجيب جيمي: «صدّقني، يا جدي، أني لست متأكدا تماما، فقد كانت مدرّستي تتحدث عن شيء ما اسمه «الأخلاق». وما زلت لا أفهم عن أي شيء كانت تتحدث. قال الجد: الأخلاق أمر مهم جدا. حسنا، دعني أبسّط لك المسألة.. ولنفترض أن المحاسب قد أعاد إلي باقي المبلغ الذي دفعته له، وكان الباقي أكثر بكثير مما أستحق. فأنا هنا أمام مسألة أخلاقية: إما أن أحتفظ بالمبلغ لنفسي، أو أعيده إلى جَدَّتك!! تلك نكتة غنية بالدلالة، ولا تحتاج إلى تعليق. لكننا نصادف يوميا وعلى كافة المستويات ممارسات تتناغم مع ذلك التعريف الملتوي والغريب للأخلاق.