اختراع القومية الجديدة
ليست وحدها الأحداث السيئة والتعيسة في ماضي الإنسان من يكبل سعادته ويعطل عطاءه في حاضره، فبعض الذكريات الجميلة تحدث نفس الأثر، فالإنسان الذي لا ينفك يتباكى على الأطلال الجميلة في حياته الآنفة؛ يشبه نفس الشخص الذي يبكي ويتألم من ماضيه الحزين، فكلاهما أسير لمرحلة تاريخية في حياته لا يستطيع تجاوزها. كنا نتحدث أنا ومجموعة من المحللين السياسيين من جنسيات عربية مختلفة في أحد البرامج التي أقدمها، عن أهم أسباب المشاكل السياسية في العالم العربي، وتحديدا تلك المتزامنة مع ما يسمى بثورات الربيع العربي، فكان أحد الآراء المطروحة، أن الاعتزاز بالعروبة ومجد الانتصارات التاريخية السابقة هي المرحلة التي وقف عندها الإنسان العربي الآن، ولم يستطع تجاوزها، وأن تجديدها وبعثها في الأمة العربية من خلال مشروع القومية العربية قد فشل سابقا؛ بسبب التعديات التي مارسها بعض القادة بحق جيرانه العرب.وفي ظل أوضاع سياسية عطلت التنمية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية؛ بسبب نخب فاسدة من الحكومات، لم يملك الإنسان العربي سوى التعلق بماضيه الجميل في عصر النهضة الإسلامية ليتباكى عليه، ليس ذلك فحسب بل أن المهووسين بمجده والمتألمين كثيرا لفقده من فئة الشباب حاولوا استعادته عن طريق انضمامهم في تنظيمات إسلامية، صورت لهم قدرتها على إحياء تلك الأمجاد. وفي ظل الأوضاع الراهنة لكثير من الدول العربية، لم يعد التباكي على الماضي البعيد موجودا، مقابل الحسرة والنحيب على الأوضاع المستقرة نوعا ما في ظروف ما قبل الثورات العربية. فرغم أن بعض الشعوب العربية كانت ترزح تحت أوضاع اقتصادية واجتماعية متدنية، إلا أنها كانت أفضل حالا مما هي عليه الآن. لم يكن البعض محقا في نظرته عندما شبه ما يحدث من الثورات العربية بما حدث من الثورات في أوروبا، والتي سبقت كل ما نراه فيها من استقرار وحضارة. فقد حدث أن الجزء اليسير من التنمية والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي الموجود في بعض الدول العربية قد دمر تماما، وأنها تحتاج لاستعادة عافيتها في هذا المجال سنوات طويلة وأموالا طائلة. ولقد تم استغلال هذه الظروف من تلك الجارة المزعجة التي تحالفت مع خونة وجهلة وضعفاء العرب؛ لإحداث مزيد من الدمار الذي يصب في مصالحها السياسية. والآن في هذه الظروف هناك أصوات ترتفع لتنادي بإعادة توحيد الأيديولوجية العربية بين مختلف الشعوب العربية، في إطار قومية جديدة، يكون فيها كل مواطن عربي يحمل ولاء للوطن الذي ينتمي إليه، وولاء آخر يشترك به مع أخيه العربي في كل الأوطان العربية، هذا الانتماء الذي يجب أن يتجاوز المذهب أو العرق وكل اختلاف من شأنه أن يقوض هذا الانتماء. وهؤلاء المنادون بهذه الفكرة يعترفون بأنهم لم يحملوا تفاؤلا من قبل حثهم على ذلك مثلما فعلت الآن (عاصفة الحزم) التي جددت ثقتهم بأن العرب ممكن أن يشكلوا عصبة وقوة سياسية واقتصادية بل وثقافية، تعيد لهم الهيبة والاحترام في الميزان العالمي. فهل سيكتب لهذا الطموح التحقق قريبا، هل نستطيع أن نتفاءل من جديد؟ وهل ستعي الشعوب العربية من جديد أهمية التوحد حول الحاكم الشرعي لبلادها، وتحسن من قيم ولائها، وتبعد نظرتها إلى أكثر من تحقيق المصالح الشخصية الفردية. ربما تولد الأزمة العربية الحالية أيدولوجية جديدة تدفع بعجلة التنمية والاقتصاد والصناعة إلى الأمام.. ربما.. ونتمنى ذلك.* إعلامية وباحثة اجتماعية