سالم اليامي

ليبيا الحرب والحوار

أحد المعاني التقليدية جدا التي اختصت بها الدبلوماسية هي مسألة الانتقال من حالة الحرب إلى حالة السلم، أو العكس بمعنى أن الدبلوماسية - وبشكل أساس - تُعنى بأوجه التواصل في الصراع، وصناعة السلام.هذه القاعدة التي يمكن أن تكون كلاسيكية ضمن أدبيات الكتابة والممارسة الدبلوماسية يحدث أن نواجه في الممارسات العملية وعبر استجلاء بؤر الخلاف والصراع في العالم، يحدث أن نجد أمثلة مثيرة تتوازى فيها حالة الإمساك بالسلاح وتغذية الصراع، مع السعي للحوار والمحاولة في بناء السلام، يغلب على هذه الحالات أمران الأول: تعدد الأطراف التي بيدها اتخاذ القرار سواء بالسير نحو ميدان القتال أو الانعطاف نحو قاعات المفاوضات، والأمر الثاني: رغبة الجهات المقابلة الأخرى في الوصول إلى صيغ تفاهم وحلول مبدئية حتى في أحلك الظروف وأكثرها دقة. هذه الثنائية تبرز لنا اليوم بشكل حاد ومؤلم في ثنايا الصراع بين الليبيين. ففي الوقت الذي تسيطر لغة السلاح على مناطق واسعة من البلاد الليبية تجددت الاشتباكات مؤخرا في المنطقة الغربية أو ما يعرف بإقليم طرابلس، وأصبحت هذه المدينة تستقبل التشكيلات العسكرية والمليشيات المسلحة من عدة نقاط ما زاد التوتر في العاصمة المركز الرئيس تقليديا للحكم والإدارة. الصراع على مشارف طرابلس وفي بعض أحيائها بين الجيش الوطني الليبي والتشكيلات المسلحة هذا الوضع زاد حدة القلقين الإقليمي والدولي على كل ما يجري هناك. وتصاعدت سخونة الموقف إقليميا بشكل لافت خصوصاً على الجانب المصري الذي أعلن مطلع الأسبوع المنصرم عن تنفيذ مناورات عسكرية على طول الحدود الليبية المصرية، وتعزز هذا المسار العملي العسكري بدعوات سياسية صدرت عن الرئاسة المصرية موجهة إلى رئاسة الجامعة العربية تحث في مضمونها على الإسراع "عربيا" لصياغة وتفعيل منظومة أمن عربي يمكنها الوقوف في وجه الأخطار الحالية التي تحيق بالمنطقة العربية.وربما يكون هذا التسخين العسكري المصحوب بجدل سياسي إقليمي استجابة أو صدى لمقترح سابق تقدمت به الجامعة العربية مطلع هذا العام يشير إلى تشكيل قوة تدخل عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب بناء على ميثاق الجامعة العربية الذي يسوغ لمعاهدة الدفاع العربي المشترك المشهورة التي وقعتها الدول الأعضاء عام ١٩٥٠م مع اقتراح قيام قيادة لقوات التدخل تلك بصيغة تكون مقبولة من الجميع.هذه الرؤية الأمنية المركزة تلقى ترحيبا ليبياً من الفريق الذي يحظى بالشرعية الدولية على الأرض الليبية، ومن عدد من الأطراف الإقليمية الهامة أبرزها الجانب المصر .كما تلقى عدم استحسان أو قبول من أطراف داخلية ليبياً، وكذا من أطراف إقليمية جارة لليبيا ومن أطراف دولية ترى انه مازال هناك الكثير من الوقت للتعامل مع الوضع الليبي في إطار الحوار.يحدث ذلك رغم أن هناك تسريبات إعلامية أجنبية تتحدث عن خطر حقيقي من تنامي ملف الإرهاب إقليميا وعالميا انطلاقاً من تعثر الحالة الليبية. وبناءً على ذلك هناك حراك معلن وغير معلن في أوروبا لترتيبات ما يعرف باجتماعات المجلس الأوروبي الذي يركز بصورة أساسية على قضايا الدفاع ومسائل مكافحة الإرهاب.وتبقى الصورة الأكثر ضبابية فيما يتعلق بالمشهد الليبي العام نابعة من أمرين الأول الحديث عن حوارات بين السياسيين الليبيين في المملكة المغربية ومجموعات إدارية وقبلية وقيادات محلية في بلجيكا.وفي ذات الوقت تشتعل حرب إعلامية وعسكرية في الشرق والغرب والجنوب! حتى أصبح المواطن الليبي - ومن ورائه الإنسان العربي - آخر مخلوق يحاول أن يفهم طبيعة وحقيقة ما يحدث.الجهة الراعية للسلام والحوار في ليبيا يبدو أنها بدأت تفقد شيئا من صبرها ويُتلمس ذلك من خلال التصريحات الحادة والغاضبة من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا الذي أعلن "بشدة" إدانة الهجمات العسكرية التي استهدفت مدينة طرابلس بتاريخ ٢١مارس ٢٠١٥م، لان هذه الغارات والأعمال العسكرية التي طالت منشآت مدنية تهدد مسيرة الحوار بين الليبيين في المقام الأول علاوة على أنها تقلل من الدور المنتظر لليبيا في عملية مكافحة الإرهاب الدولي. المبعوث الدولي إلى ليبيا اتهم - وبوضوح - رئيس الحكومة المؤقت السيد عبدالله الثني "بعرقلة" المسار السياسي الذي ترعاه المنظمة الدولية.هذا الغضب تجاوز التصريح في تقديرنا إلى "التهديد" من خلال الإشارة إلى أن الأطراف التي لا تلتزم بالتهدئة ستجد نفسها خارج الشرعية.هذا الصوت الدبلوماسي الحاد، يتزامن مع أصوات المدافع التي يدعي كل صوت منها انه يسعى عبرها لتحرير طرابلس.* مستشار وباحث في الشأن الدولي