وفي ظل مستهدفات الرؤية الوطنية والتحولات في منظومة التعليم والتدريب وتنمية القدرات البشرية، يبرز تساؤل مهم: هل ينبغي أن يظل المسار الأكاديمي التقليدي الطريق الرئيس لرئاسة الجامعات، أم يمكن فتح المجال أمام قيادات تنفيذية متميزة من القطاع الخاص، مع إسناد الشؤون التعليمية والبحثية إلى متخصصين أكاديميين؟
لا يتعلق الأمر بتفضيل القطاع الخاص على الأكاديميين، بل بالبحث عن النموذج القيادي الأنسب. فالاستفادة من ثقافة الأداء والنتائج في القطاع الخاص قد تسهم في رفع الكفاءة، وتحسين استثمار الموارد، وتسريع اتخاذ القرار.
كما تمثل الرشاقة المؤسسية فرصة مهمة لمواكبة التغيرات في سوق العمل والتقنية والذكاء الاصطناعي وأنماط التعليم، من خلال تطوير البرامج، وبناء الشراكات، واستقطاب الكفاءات، ومراجعة الأنشطة ذات الجدوى المحدودة.
ومن الفرص أيضًا تنويع مصادر الإيرادات، عبر الشهادات المهنية والمصغرة، والتعليم التنفيذي، والاستشارات، والبحث والتطوير، ونقل التقنية، وحاضنات الأعمال والشركات والأوقاف الجامعية. ويمكن للخبرات التنفيذية، خصوصًا في قطاع المال والأعمال، تعزيز ارتباط الجامعات بسوق العمل وتطوير البرامج والمهارات والشراكات البحثية وفرص التدريب والتوظيف.
وفي المقابل، يفرض هذا التوجه تحديات ينبغي مراعاتها؛ فالجامعة ليست شركة، ولا يمكن اختزال رسالتها في المؤشرات المالية. إذ تمثل العلوم الإنسانية، والبحث الأساسي، وخدمة المجتمع، وإنتاج المعرفة طويلة الأجل جوانب أساسية لا ينبغي أن يتراجع الاهتمام بها لمصلحة العائد المالي. كما أن البيئة الأكاديمية، بما تتطلبه من حوار علمي واستقلال أكاديمي وتراكم معرفي، تحتاج إلى توازن بين سرعة التنفيذ ومتطلبات الجودة.
ويبرز كذلك تحدي الموازنة بين الكفاءة في الإنفاق والمحافظة على جودة البرامج، وبين تنويع الإيرادات وصون الرسالة العلمية. فالنجاح في قيادة شركة لا يضمن بالضرورة النجاح في قيادة جامعة، لاختلاف الثقافة المؤسسية والرسالة وتعدد أصحاب المصلحة.
لذلك، قد يكون الحل في التكامل من خلال نموذج قيادي هجين يتيح المنافسة على رئاسة الجامعات أمام القيادات الأكاديمية والتنفيذية وفق معايير الكفاءة والإنجاز والقدرة على قيادة التحول، مع استمرار إسناد الوكالات الأكاديمية والعلمية إلى متخصصين مؤهلين.
فالشؤون التعليمية تحتاج إلى خبرة بالمناهج ونواتج التعلم والاعتماد الأكاديمي وتجربة الطالب، بينما يتطلب البحث والابتكار معرفة علمية عميقة. وفي المقابل، يمكن لرئيس الجامعة التركيز على الاستراتيجية والأداء والاستثمار والشراكات والتحول المؤسسي.
ولتعزيز فرص نجاح النموذج، يمكن تجربته في عدد محدود من الجامعات، وفق مؤشرات متوازنة تشمل جودة التعليم، والتوظيف، والبحث والابتكار، وتجربة الطالب، والأثر المجتمعي، والاستدامة المالية، والسمعة الأكاديمية.
وعليه، لا يتمثل السؤال فيمن يقود الجامعة، أكاديمي أم تنفيذي، بل في كيفية بناء فريق يجمع الخبرة الأكاديمية والكفاءة التنفيذية وروح المبادرة والمسؤولية الوطنية.
فالجامعة السعودية المقبلة تحتاج إلى التنافسية والكفاءة والرشاقة، بقدر حاجتها إلى المحافظة على رسالتها الأكاديمية واستقلالها العلمي. والهدف أن تصبح مؤسسة معرفية تستفيد من العقلية التنفيذية دون أن تفقد روحها الأكاديمية.
@mesfer753



