ثم جاء اليوم الذي غاب فيه أبي، رحمه الله، وبقي مكانه على المائدة فارغا، وبقي أثره في كلّ زاوية. اكتشفتُ يومها أنّ من يرحل لا يأخذ دفئه معه، بل يتركه وصيةً في أيدي من بعده. صار السؤال: من يحمل هذا الدفء الآن؟ فوجدتُ الجواب حولي؛ في إخوتي وأخواتي حين نجتمع فيعود الصوت القديم إلى البيت، وفي أبنائي حين ينتظرون خطوتي على الباب. وأدركتُ مدى أهمية من يقسم اللقمة، ومن يُطمئن القلوب، ومن يكون لهم سقفًا لا يهتزّ.
الدفء العائلي نعمة لا تُقاس بميزان، ولا تُشترى بمال. أن يكون لك أخٌ يعرف صوتك حين يتغيّر، وأختٌ تدعو لك في الغيب، وأبناءٌ يفرحون لنجاحك أكثر منك، فذلك رصيدٌ لا تعرف قيمته إلا حين ينقص. نأكل معًا فتصير اللقمة أطيب، ونتنفّس هواءً واحدًا فتخفّ الأثقال، ونفكّر معًا لأنّ الحياة واحدة والمصير واحد. وحين يمرض واحدٌ منّا لا ينام أحد، وحين يفرح واحدٌ منّا لا يبقى في البيت حزين. الألم إذا وُزِّع صار محتملًا، والفرح إذا قُسِّم صار أوسع.
غير أنّ هذه النعمة ليست هبةً ساكنة، بل بناءٌ يحتاج إلى صيانة يومية. البيوت لا تبرد فجأة، بل تبرد ببطء: مكالمةٌ تؤجَّل، وزيارةٌ تُنسى، وكلمةٌ قاسية تُقال ولا تُصلَح، وانشغالٌ يتحوّل إلى عادة. ثم نستيقظ يومًا لنكتشف أنّنا تحت سقفٍ واحد وقلوبنا في أمكنةٍ متفرّقة. وسّعنا الغرف وضيّقنا المجالس، وملأنا الأيدي بالشاشات، وأفرغنا العيون من النظر.
الأسرة أوّل مدرسةٍ يتعلّم فيها الإنسان الرحمة، وأوّل وطنٍ يعرفه قبل أن يعرف الخرائط. لذلك لا أؤجّل زيارة أخٍ، ولا أبخل بسؤال أختٍ، ولا أجعل المشاغل عذرًا أمام أبنائي. أجلس معهم بلا هاتف، وأسمع أكثر ممّا أتكلّم، وأقول كلمة الحبّ قبل أن يسبقني الوقت؛ لأنّني تعلّمت من مقعدٍ فارغ أنّ الوقت لا يُستأذن.
خلاصة القول: الدفء العائلي ليس مصادفة، بل قرارٌ نجدّده كلّ يوم بلقاءٍ صغير، وكلمةٍ طيّبة، وقلبٍ يتّسع.
[email protected]



