خالد الشريدة

الوعي الأمني في حادثة طفل الأحساء

رواية "الجريمة والعقاب" للروسي العبقري فيدور ديستويفسكي تعتبر من أكثر المصنفات الإبداعية والروائية التي تناولت السلوكيات الإجرامية للفرد من منظور نفسي ما جعلها أحد أهم مراجع علم النفس الخاصة بالوقائع الإجرامية، أو ما يمكن تسميته «علم نفس الجريمة»، وفيها تشريح دقيق للشخصية التي تتهيأ للجريمة أو ترتكبها.استعدت وقائع تلك الرواية وأنا أقرأ إنجاز شرطة المنطقة الشرقية، بالقبض على 4 مواطنين تورطوا في اختطاف طفل بسيارتهم، بالقرب من منزله في حي المحدود بالأحساء فيما عرف بحادثة "طفل الأحساء"، وهي الحادثة التي انتشرت سريعا بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، وتعتبر حالة شاذة وغريبة في الجريمة المتعمدة والمقصودة، والتي تنطوي على كثير من الغباء لأنه لا يمكن لأي جريمة أن تنفذ من القبضة الأمنية ولو بعد حين.لا أعلم لماذا لم يفكر الجناة في عواقب فعلهم في ظل وجود أجهزة أمنية لا تغلق ملفا إجراميا دون الوصول الى الاستخلاصات الأمنية الضرورية لحفظ الأمن والاستقرار في الوسط الاجتماعي؟ لسنا في غابة تعمل بقانون "في الطبيعة لا عقاب وإنما عواقب" وإنما لدينا نظام أمني واجتماعي يفترض أن يعرف كل فرد الحد الأدنى من ضوابطه وقواعده بحيث تمتنع الذات عن ارتكاب جرائم لأنه لا يمكن لأحد أن يأمن العقاب طالما أجرم.هناك جرائم تنطوي على استهتار وعدم احترام وتقدير للنظام، وقد تتطور الى جرائم أكثر بشاعة في ظل غياب الثقافة القانونية التي تعمل الى جانب القيم الدينية والاجتماعية والوطنية في تهذيب النفس والارتفاع والسمو بها عن الصغائر وما يقلل من احترام النفس والقانون، وهؤلاء الشباب الى جانب استهتارهم قدموا نموذجا سيئا وسلبيا للقيم الاجتماعية وعدم التزام القانون، وبالتالي تورطوا في جريمة تتكيف مع المقتضيات النظامية التي توجب ردعا يتعدّاهم الى غيرهم ممن يستهترون بالقانون والقيم الاجتماعية.إذا حدثت استهانة في تهذيب سلوك مرتكبي الجرائم تغيب قوة الردع النظامية والأمنية، وفي حالة تلك الجريمة حدثت عدة انتهاكات لسلامة الفرد والمجتمع، فنحن بحاجة الى الحفاظ على قيمنا الاجتماعية وهؤلاء فرطوا فيها، وبحاجة الى سلامة صغارنا وهي تضررت بهذا السلوك الغليظ، ولا يمكن أن يستمر الاستهتار بالقيم الى الحد الذي نحصل فيه بصورة متتالية على جنح قابلة لأن تتطور الى جنايات كاملة الأركان.الحفاظ على روح القانون في الوسط الاجتماعي مهمة من عدة نواح، لأن القانون ليس نصوصا عقابية فقط، وإنما التزامات أخلاقية وعقلية بثوابت الأمن الاجتماعي، وذلك يحتاج الى مزيد من جرعات التثقيف، حتى لا نفقد مبدأ أن المواطن هو رجل الأمن الأول، وخط الدفاع الأول في عملية تثبيت الأمن والاستقرار والمساهمة الإيجابية مع رجال الأمن في تحقيق أعلى معدلات السلامة الفردية والاجتماعية والوطنية.من الضروري إقصاء الأفكار التي تستهتر بالنظام على نحو ما فعله أولئك الشباب، وإحلال الاحترام مكانه، فعلا وقولا وسلوكا، لأننا نتشارك جميعا في حماية أمننا وتثبيته، وحين نحصل على وعي أمني جماعي كثيف مثل هذه الحالات التي تخترق سلامتنا وأمننا الاجتماعي، وذلك ما يجب أن تتوسع فيه وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية في شراكة يفترض أن تكون مستمرة وتغطي كل جوانب الوعي والثقافة الأمنية.* باحث اجتماعي