محمد السماعيل

قضية الدارسين على حسابهم الخاص

يدرك القائمون على السياسة التعليمية في المملكة أن التنمية الحقيقية للوطن تأتي بالاستثمار الحقيقي في بناء العقول والكوادر البشرية، وبسبب هذا الادراك خاضت بلادنا تجربة الابتعاث الخارجي منذ 90 عاماً (1346هـ - 1927م)، وكان لها الأثر الإيجابي في رفد الوطن بالعقول المتنورة عبر العقود المنصرمة، وهذه العقول شاركت بنجاح في عمليات التنمية التي نشهد نتائجها اليوم، وبعد هذه التجربة الرائدة، تم إطلاق مشروع تنموي عملاق، هو برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، الذي كانت انطلاقته الأولى عام 1426هـ، وحقق نجاحات مبهرة، وكان من ثمارها أن بلغ عدد المبتعثين والمبتعثات أكثر من 150 ألف طالب وطالبة في أكثر من 30 دولة في جميع المجالات والتخصصات العلمية، وهذه الأعداد البشرية الهائلة من المبتعثين تعتبر من أهم الثروات الوطنية التي حرصت حكومتنا الرشيدة على الاستثمار فيها. انطلاقا من هذه المقدمة – إن صح تسميتها بهذا الاسم – وانطلاقا من أن المسلم ليس مسؤولا عن نفسه وحسب، وإنما عن بني جلدته أيضا، فإني أعرض هنا قضية إنسانية في منتهى الأهمية، ألا وهي " قضية الدارسين على حسابهم الخاص" الذين مستهم البأساء في الغربة طلباً للعلم، وأرى ان شأنهم شأن وطني، يهم الوطن والمواطن، ومادام شأن الوطن والمواطن يعنينا فعلينا ان نعطيه حقه بكل شفافية، ونتناوله بكل جدية من أجل نقله الى جهة الاختصاص، لعل الله يجعل لهم مخرجا، قبل أن يستفحل الأمر ويثير طائفة من المشكلات التي نحن في غنى عنها.هناك شيئان في هذه القضية، شيء أعرفه، وشيء أدعو اليه، فالشيء الذي أعرفه يقينا - بعد التحري في كواليس الدارسين على حسابهم الخاص - هو ان هؤلاء قبلوا التضحية بالمال والوقت والجهد في سبيل التحصيل العلمي، ولكنهم ضاقوا ذرعا بالمصاريف الباهظة التي اصبحت غير محتملة، وقامت أمامهم صعاب وعقبات، منها الغربة وتكاليف المعيشة، كالسكن والمأكل والمشرب، وكذلك التأمين الطبي والرسوم والضرائب، ومصاريف الدراسة، وقبل كل ذلك أنهكتهم تحديات الغربة، وصبروا ما أمكن الصبر حتى اصبح حالهم يقول: كل ما نطلبه – إن كان لنا الحق في ذلك – أن نكون من ضمن المبتعثين على حساب الدولة أيدها الله. أما الشيء الذي أدعو إليه، وألح فيه، وأرى أن الواجب الوطني يفرضه علينا هو أن تقوم جهة الاختصاص بتناول هذه القضية على وجه السرعة، فقد آن الأوان لدراستها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء الطلبة انفقوا الأموال موقنين بأن طَلَب العِلْم فَريضة على كل مسلم، ولم ينفقوها من أجل السفر والسهر والسياحة هنا وهناك، وهم – اليوم - يعيشون حالة من الأمل والترقب ويدورون في فلك الانتظار، حيث اصبح همهم الأساسي وهاجسهم الأول والأخير هو الانضمام الى برنامج الابتعاث وفي كل الأحوال - أنا على يقين - أن المسألة هي مسألة وقت لن يطول بإذن الله، وستقوم الجهات المعنية بدراسة أحوالهم، لأن تلك الجهات تعبر عن اهتمام وعناية قيادتنا الرشيدة بكل ما يهم المواطنين، ولذا أدعو هؤلاء إلى أن تطمئن قلوبهم وتستريح ضمائرهم فالفرج آت بإذن الله، ولن تتنصل الجهات المختصة منهم. * مدير مركز «اسكب» للاستشارات الأمنية