د. إحسان بوحليقة

عبدالله جمعة في إمبريال كولج

«السبحة» هي الإبحار في الموج الهادئ، ويقال المثل ليدلل أن ما يَصنع الانسان ويصقله هو الصعاب التي يجتازها. في «أمبريال كولج»، إحدى أرقى الجامعات البريطانية، سمعت عبدالله صالح جمعة، الرئيس التنفيذي السابق لشركة أرامكو السعودية، كما لم أسمعه من قبل؛ إذ كان من استضافه شباب يرغبون الاصغاء لتجربته وللدروس التي استخلصها بعد تقاعده من الشركة. وفيما عدا عدد محدود من «المخضرمين» الذين تجاوزوا ما تعارف على تسميتهم «شباب»، فقد سيطر الشباب اليافعون السعوديون ممن يدرسون في أمبريال على القاعة.وجميل أن تبدأ لقاءات من هذا النوع بشخص يوفر عليك الوقت والجهد، بأن يعطيك قبسات عن الرجل، وهذا ما كان بأن قدمت كريمته للمحاضرة بكثير من الجزالة وخفة الدم، وبذلك بدأنا نستمع لحديث عبدالله جمعة ونحن مبتسمون. وحقيقة، ومع الكلمات الأولى تدرك أنك أمام شخصية ينطبق عليها وصف «السهل الممتنع»، والامتناع هنا يعني عمق الأغوار مما يستعصى سبر أغواره مباشرة؛ بل إن ذلك حدث أمام ناظر الحضور؛ إذ أخذ الرجل يقلب صفحات من حياته، لكنها كانت أشبه بطبقات وأعماق، كل منها يكشف عن جانب من مكنونات الرجل ومخزونه.كان يتحدث ببساطة، ليست مصطنعة، فذاك هو، عبدالله جمعة يحدثك لكي تفهمه لا ليقول لك ما يريد أن يقول، وهذا سر قدرته على التواصل الناجح وبناء العلاقات، وقد صرح في ثنايا حديثه عن الأهمية الحرجة للاستماع، وتوسع في تلك النقطة. وعرج على ما كتبه ابن المقفع في سياق له صلة وثيقة بمهارات التواصل الانساني.حديث عبدالله جمعة مفعم بالخبرة المتراكمة، التي لم تبدأ مع أرامكو، بل مع طفولته الأولى، ضمن أسرته، ومع أصحابه. لكنه توقف طويلاً عند مشاهد مختارة كعلاقته بأخيه الأكبر جبر، وتوسع في حديثه عن كرة القدم. بل لم يتردد في بيان أن هذه الرياضة زاملته في محطات عدة من حياته؛ في طفولته ومراهقته وشبابه، وعقد مقارنة أن تكوين فريق متعدد القدرات والمواهب ضروري لتحقيق الفوز في شركة عملاقة كأرامكو كما هو في كرة القدم. والخبرة المتراكمة هي مكمن للحكمة، وهذا ما نجح عبدالله جمعة في تقديمه للحضور على طبق من ذهب؛ فأخبرهم بأن أساليب القيادة تتعدد، لكنه كان حريصا أن يضم لفريقه من مرؤوسيه من هم أكثر ذكاء، فهمه كان بناء أفضل فريق وليس فريقا من التابعين الطيعين، فقد صرح: كفريق تنفيذي تعاهدنا أن نبقي خلافاتنا ووجهات نظرنا فيما يتعلق بأعمال وأنشطة الشركة داخل قاعات الاجتماعات، أما عندما نخرج فننسى كل ذلك لنتحدث جميعاً بلسان الشركة وليس بمواقفنا الشخصية.ومن مخزون الخبرة أخرج عبدالله جمعة وصف «القائد المتوازن»، المتوازن داخلياً لينعكس ذلك التوازن والاستقرار والارتياح على من حوله في شتى اتجاهات حياته؛ في البيت أو العمل أو في الحياة الاجتماعية. ومن مزايا التوازن والاستقرار التواضع، التي أفرد لها دقائق، ويبدو لي أن بوسعه أن يكتب كتاباً عن فلسفته في هذه النقطة تحديداً، فقد بَيّن أن التواضع المقصود ليس السلبية، بل ان يعتد الشخص بمن حوله، وأن يوظف تواضعه ذلك ليدرك حدود معرفته؛ فالرئيس ليس مفترضاً منه أن يعرف كل شيء، ولذا عليه أن يتواضع ليسمع بإنصات، وليتعلم ممن حوله، فذلك سيساعده في اتخاذ قرارات أفضل.والملفت حديثه عن أهمية أن يستمر الشخص رغم الصعوبات والاخفاقات والفشل، ففي اللحظة التي يتوقف راكب الدراجة الهوائية عن تحريك قدميه ستقف الدراجة فيختل التوازن ويقع! وواصل بأن نجاح القائد لا يتأتى من تجربة فارغة بل من تراكم من التجارب والصعوبات والاخفاقات، وأن التنفيذي الناجح هو من يتمعن فيها إيجابياً فيوظفها لا مَن يصيبه الفشل بالإحباط واليأس والعيش في الماضي. *متخصص في المعلوماتية والإنتاج