الملك سلمان .. وشرق أوسط مضطرب
وصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى سدة الحكم في وقت عصيب تمر فيه المنطقة بمرحلة مخاض سياسي عسير وتحول جذري وتاريخي، ومن المتوقع أن تلقي بتأثيرها على مستقبل المنطقة بأكمله. كان مقالي السابق «خطاب الملك سلمان وترسيخ دعائم الدولة المدنية» حديثا عن الملامح السياسية الداخلية للملك سلمان، والتي كانت مستوحاة من خطابه الذي ألقاه في قصر اليمامة يوم 10 مارس الماضي، والذي ركز فيه على قيم المواطنة والدولة المدنية. ان الحديث في - مقال اليوم - هو محاولة لقراءة الوضع الجيو سياسي والمتغيرات التي تشهدها المنطقة، والتي بلا شك تلقي بانعكاساتها السياسية والامنية على السياسة الخارجية السعودية والتي يمكن ان ألخصها في ثلاثة ملفات رئيسية، أعتقد انها سوف تحظى بأهمية كبيرة في الفترة القادمة:أولا- الملف اليمني حيث الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي يشهده اليمن مما ينذر بتحولها إلى "دولة فاشلة" تسيطر عليها الميليشيات المسلحة والتنظيمات الارهابية التي تعيق اي محاولة لتسوية سياسية او حل توافقي يخرج البلد من الازمة. اعتقد ان الرياض تدرك تماما ان اليمن هو العمق الاستراتيجي للخليج والخاصرة الجنوبية الرخوة للسعودية ولأمنها القومي، فخطورة عدم الاستقرار في اليمن مع ارتفاع طول الحدود المشتركة بين السعودية واليمن يمكن ان يمثل وسيلة ضغط على الرياض من خلال دعم الجماعات الجهادية المتطرفة واحتمال تسللها إلى السعودية وقد ينشط على اثرها تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على الاستقرار في السعودية والخليج. وبالتالي فالرياض تحرص على اولوية الملف اليمني واحلال الاستقرار فيه لان أمن اليمن واستقراره هو أمن لدول الخليج واستقرارها.ثاينا - ملف الارهاب وبروز العنف من غير الدول Aramed Non Sate Actors والتي يمثلها في الوقت الراهن تنظيم (داعش)، فالرياض ترى في تنظيم داعش مصدر قلق وتهديد. فالتنظيم كان من ضمن اهدافه التمدد لدول الخليج للسيطرة على حقول النفط بهدف تمويل عملياته وإقامة خلافته المزعومة. كما تخشى الرياض كذلك ان ينجح التنظيم من خلال رسائله الإعلامية القوية ونهجه المتشدد في تجنيد واستقطاب الشباب السعوديين ضمن تنظيمه. وقد نجح التنظيم من خلال دعوة الخلايا النائمة والمتعاطفين معه لتنفيذ هجمات داخل المملكة العربية السعودية في قرية الدالوة بمحافظة الأحساء، شرق السعودية في نوفمبر 2014م. وعليه فالسعودية كانت من أوائل المشاركين في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش لادراكها أهمية التصدي لهذا التنظيم لما له من أثر كبير على امنها واستقرارها. وقد احتضنت الرياض في فبراير الماضي أعمال المؤتمر الخامس لرؤساء هيئات الأركان لدول التحالف ضد تنظيم داعش الإرهابي الذي استمر ليومين لاظهار دعمها وتأييدها. وقد دعا الملك سلمان مؤخرا لما سماه بـ«رابطة سنية» تقف في وجه «داعش» وإيران. وبالتالي أعتقد ان ملف الارهاب هو احد الملفات الساخنة التي سوف تكون حاضرة بقوة في اجندة السياسة الخارجية السعودية في المرحلة المقبلة. ثالثا - ملف التدخلات الايرانية في شؤون الخليج، فالرياض تحرص منذ نجاح الثورة الايرانية على تحسين العلاقة مع طهران وفتح صفحة جديدة في العلاقات معها، الا ان المحاولات كانت دائما تصطدم بتشنج ايراني ومحاولات استفزازية للتدخل في شؤونها الداخلية. فمنذ فترة الملك الراحل الملك عبدالله - رحمه الله - والقيادة السعودية ترى ان التدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة - خاصة في سوريا ولبنان والعراق قد عقدت الوضع في المنطقة وادت الى عدم استقراره. وبعد التدخلات الايرانية الاخيرة في اليمن والتي اصبحت واضحة وفجة ومستفزة، للعب دور إقليمي من خلال توزيع الادوار على بعض الجماعات المسلحة كتنظيم الحوثي بهدف خلق تأثير ونفوذ في المنطقة، اعتقد ان الرياض سوف تتخذ موقفا صارما من خلال تفعيل التحالفات السياسية العربية والخليجية، لعمل نوع من التوازن الاقليمي مع ايران يمنع طهران من مد نفوذها وفرض سيطرتها على شؤون المنطقة. كما هو حاصل في سوريا والعراق وفي لبنان ومؤخرا في اليمن. واعتقد ان هذا الحلف سوف يمنع ايران من التظاهر امام الغرب على انها ممسكة بجميع ملفات الشرق الاوسط وانها الاساس في التفاوض معها للوصول الى تسوية سياسية فيما يتعلق بشوؤن المنطقة.* محلل سياسي