«التنافسية الشريفة»
عند طرح ومناقشة المشكلات التعليمية أو الوظيفية أو حتى الاجتماعية مع بعض المتخصصين في المجالات السابقة، نجد أن أحد الحلول التي لا تنفك من أطروحاتهم ومقترحاتهم هي قضية (خلق التنافسية) لتحفيز الإنتاجية بكل أنواعها، الفكرية، الجسدية، الابتكارية.. وهم في كل ما يتحدثون به عن مميزات (التنافس الشريف) يحاولون التفريق بين ما يسمى (تنافسا حرا وشريفا) وما هو (صراع) قائم على إلحاق الضرر بالشخص المتصارع معه. المهم هنا أني أود أن ألفت النظر إلى عدم صدق مقولة (التنافس الشريف) بالصورة التي يروج لها، كما أن المبدأ السابق ليس حلا لكثير من المشاكل الوظيفية والتعليمية والاجتماعية كما يدعي مروجوه. فالحقيقة أن هذا المبدأ هو ما يؤسس لكثير من الصراعات، وهو يمثل الخطوة الأولى لشرارة الصراع، بل إن كثيراً من الشخصيات النبيلة والهادئة تحولت لنقيضها عندما أوجدت في بيئات تنافسية.. ومهما حاول أي قائد أن يخلق بيئة تنافسية في وسط مجموعة من الموظفين أو الطلاب أو حتى الأقارب والأصدقاء سيفشل حتما إذا كان هناك مقعد واحد للشخص الرابح. هذا الفشل سيحدث لعدة أسباب منها: إن كثيرين بشكل عام لا يتقبل الشخص الناجح بشكل ايجابي، فكيف سيكون الحال إذا كان هذا الناجح أخذ حيزا كان من الممكن أن يكون لهم. الأمر الآخر وهو الأصعب، بعض الأشخاص في تنافسه لا يركز على هدفه في تحقيق النجاح بقدر ما يفكر في إعاقة وعرقلة الطرف الآخر عن لحاقه في الركض لهدفه. باختصار بإمكان القادة والمتخصصين وأصحاب الخطط الإنتاجية أن يضعوا بدائل لقضية (التنافسية الشريفة) واستبدالها بحل التحفيز بالمميزات وليس التنافسات.! قال لي أحد أساتذتي بشكل صريح وفكاهي: ما زلت أكره كلمة (المنافسة) وتحديدا في التعليم، فقد لاحقتني هذه الكراهية منذ كنت صغيرا فقد كانت قمة التفوق في الفصل الدراسي لا تتسع سوى لطالب واحد فقط أو اثنين بالكثير.! بينما المجال فيه رحابة ومتسع لكثيرين.. وهذا المثال ليس حكرا للاستشهاد به في المجال التعليمي فقط، بل إن القضية تمتد حتى الجانب الاجتماعي، فنحن نرى أن هناك أباء يخلقون تنافسا بين أبنائهم، وتمتد هذه الخاصية حتى تشمل زوجات الأبناء في المستقبل، فينتقل الصراع من جيل الإخوة إلى جيل الزوجات، وتستمر الحكاية..! إني لا أعجب ممن صدق بنظرية التنافسية الشريفة، وحاول تطبيقها بكل براءة في مجاله الذي ينتمي له، إنما أعجب من فئة أخرى، تخلق التنافس والصراع من لا شيء ولأجل (لا شيء)!! فيحدث أن تكون في دائرة عمل أو قرابة أو حتى قاعة تعليمية وتجد أن هناك معركة "حماسية" "تنافسية" حامية الوطيس ليست لأجل هدف محدد وواضح. وقد حاولت في كثير من الأحيان فهم هذه الآلية الغريبة لحدوث التنافس فلم أجد لها أسبابا ودوافع ظاهرة، فأنا كنت مطلعة على حالة تنافس وصراع شديد بين مجموعة موظفين فلم أجد دوافع ملحة لهذا الصراع، فمن ناحية المميزات الوظيفية جميعهم سواء ويتقاضون رواتب محددة وفقا لخلفيتهم العلمية وليست الإنتاجية والتنافسية، كما أن نظام الاجازات والعلاوات مكفول لهم بالنظام بعملية منضبطة ونظام واضح، فأدركت أن هذا النوع من الصراعات والمنافسة الفارغة يحدث بسبب خلل في التركيبة النفسية والأخلاقية للشخص ذاته، فهؤلاء لا يتحقق رضاهم النفسي بالمميزات التي تمنح لهم، بل يتحقق عندما تسلب حقوق خصومهم أو من يشعرون بالغيرة منهم.! * إعلامية وباحثة اجتماعية