بين لوثر والأحمد!
مشروع إيجابيون هو عمل ضخم، ورؤية جبارة؛ لأنها إرادة لتغيير أفراد ومؤسسات المجتمع إلى الأفضل. فهل هي حقيقة أم هي مجرد أمانٍ وأحلام على الورق؟. المشروع تتبناه مؤسسة مركز حلول للاستشارات والتدريب، وعرابه هو الدكتور الشيخ عبدالعزيز الأحمد، وقد سمعته يتحدث عن المشروع بكل حماس وتفاؤل، وكأنه يتحدث عن طفله الوحيد لا عن مشروع، وهو يحلم أن يكون له أثر كبير في المجتمع على المدى البعيد. إن الفكرة والحلم لهذا المشروع ذكرتني بكلمة مارتن لوثر كينغ "عندي حلم". وقد بدأ الحلم بخطوات إلى الأمام، ولكنه يحتاج إلى صبر لينمو ويشتد عوده، فطريق بناء المجتمعات يبدأ بتغيير العقليات والأفكار للإفراد والمؤسسات. إننا نتحدث عن تغيير قد يمتد إلى جيل بعد جيل، فهل هذا ممكن في واقع مجتمعنا؟.المشكلة ان مجتمعنا في الغالب لا يميل إلى التخطيط والتغيير طويل المدى، فالواحد منا بالكاد يخطط ليومه؟ فإن زاد فلشهره، والذي نعده منظماً جدا هو من يخطط لسنته، وحتى المؤسسات والشركات فشعارها الدائم هو الخطط الخمسية (هذا لو طبقت!).المهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة؛ لأن هناك أمماً قد فعلتها من قبلنا. اليابان على سبيل المثال في بداية الخمسينات من القرن الماضي كان عندهم مثل تلك الروئ والأحلام، وانظر إلى ما هم عليه الآن. وتجربة سنغافورة هي أيضا شاهد على إمكانية تحقيق ذلك، وما تجربة ماليزيا منا ببعيد.والتجربة بدأت فعليا لمشروع «إيجابيون» كانت في عام 2008 عن طريق برنامج شهير اسمه "رمضان غيرني"، ثم توسعت الفكرة إلى برنامج متكامل اسمه "إيجابيون"، والذي شارك فيه عشرات الآلاف من 46 دولة. وكان من أهدافه معرفة مبادئ الإيجابية ومقوماتها وتطبيقاتها في الحياة، وتعزيز النظرة التفاؤلية، والطمأنينة الروحية والنفسية، وتعلم طرق التخطيط وكتابة الأهداف.وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى الأسرة التي هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، حيث انطلق برنامج "إيجابيون لكل أسرة"، وقد تحدث الدكتور عبد العزيز الأحمد في إحدى مقالته عن ذلك البرنامج فقال: "هو برنامج تم تطبيقه على مئات الآلاف من العرب والمسلمين عبر الشبكة العنكبوتية، وظهرت النتائج على شكل تغيرات إيجابية في الفرد والأسرة، وتقدموا بمشاريع فردية وأسرية". ومن الخطط المستقبلية أن ينتقل إلى البيئة التعليمية، والوظيفية.وفي السنة الماضية، انطلق المشروع التنموي الاجتماعي بعنوان "فكرة لوطني"، وهو بالتعاون بين مركز حلول للاستشارات والتدريب وبرنامج الأمير فيصل بن بندر لتنمية المجتمع. وتم مؤخرا توقيع كرسي الإيجابية برعاية جامعة القصيم، وهو إضافة مهمة لمشروع إيجابيون؛ لأنه يدعم الأبحاث والدراسات، وصناعة البرامج وإقامة الدورات والمؤتمرات، وورش العمل وطباعة الكتب والمجلات وغيرها.والمشروع ضخم والرؤية كبيرة، وحتى تستمر عجلة المشروع في الدوران فإنه يحتاج إلى دعم مؤسسي عام وخاص، وللوصول إلى ذلك لا بد من أن يقتنع به ويتبناه أصحاب القرار والنخب في المجتمع. إضافة إلى ذلك، لا بد أن يكون المشروع معتمداً على نظام ومنظومة قوية مستمرة وقائمة بذاتها لا على جهود أفراد؛ حتى تبقى جذوره ممتدة في التربة، فلا يتغير النظام والمنظومة بتغيير الأشخاص.وأخيرا، كلنا نحلم أن تصل الإيجابية إلى كل بيت ومسجد ومدرسة ومؤسسة، ولكنها تبدأ قبل ذلك في عقولنا!.* م. الهندسة الميكانيكية