يدخلون الجنة ولكن عميانا..
كنت في مناسبة اجتماعية ضمت مجموعة من الصديقات مع أطفالهن، وحين مروري بالركن الذي اجتمع فيه الصغار، سألني احدهم، وهو ابن السابعة من العمر، سألني بطريقة أوحت لي بأنه يريد أن يثبت وجهة نظر معينة لأقرانه الصغار، قال: هل صحيح أن الطفل الذي يذهب إلى المدرسة ناسيا مصحفه (حتى لو كان حافظا للآيات المطلوب حفظها) هل صحيح أنه يدخل الجنة «أعمى»؟. فاجأني سؤاله كثيرا، خاصة أن صيغة طرحه للسؤال كانت لإثبات هذا الكلام لبقية الأطفال أي أن هذا الطفل البريء متأكد من أن الإجابة على سؤاله ستكون بـ(نعم) وهو في انتظار إقراري بذلك حتى يلتفت لإقرانه ويقول لهم ألم أقل لكم ذلك. حيث بدا أنهم كانوا يتناقشون في أمور تخص مدارسهم ومعلميهم فجاء موضوع الجنة والأعمى وشكك بصحته أحد الصغار، لذلك استعان طفلنا البريء بي ليقدم الدليل على صحة قوله. أجبته بأن هذا الكلام غير صحيح، وسألته من قال لك هذا الكلام؟ أجابني أولا بأنه متأكد من صحة معلومته ثم أردفها بأن صاحب هذه المعلومة (أستاذ القرآن) في مدرسته، وقال إن ذلك الأستاذ ذكر لهم أن من ينسى مصحفه في البيت سيدخل النار، لكن إن كان حافظا للآيات المقررة فإنه سيدخل الجنة لكنه سيدخلها أعمى! جزاء لنسيانه المصحف.!! سألته عن مواصفات هذا الأستاذ واتضح انه من إحدى الجنسيات العربية القديرة والتي كان لها جهود مبكرة في إثراء المعرفة والعلم عندنا وهو بالتأكيد لا يمثل بهذا التصرف والفكر سوى نفسه. قلت للطفل يا عزيزي هذا الكلام غير صحيح، رد سريعا (يعني أستاذي يكذب)؟ قلت له ربما إنه مخطئ في هذا، قال لا ليس مخطئا وهو معلم للقرآن ويعرف تفسير الآيات ويقص لنا قصصا ممتعة مصدرها القرآن، سألته هل أستاذك ملتحٍ؟ قال نعم، ولم يكن دافعي من هذا السؤال سوى استنتاج بعض السمات لذلك الأستاذ الغريب. المهم اني حسمت الجدل مع هذا الطفل بحجة بسيطة ولا أعلم هل اقتنع بها تماما أم أنه ادعى ذلك خجلا مني، فقد قلت له إن الجنة دار نعيم ولا يوجد بها عميان ولا مرضى وأن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم يغفر ويسامح ولا يعذب عباده في أي أمور تخص النسيان لأنها خارجة عن إرادة الإنسان.. هذه الحادثة البسيطة توضح لنا حجم الظلم الذي يقع على «الدين» وكيف هو محل توظيف لدى فئات ومذاهب كثيرة. لقد وظف الدين في استغلال العقول في جل أمور حياتنا بطريقة مقيتة، فتارة يتم خلطه بنواح اقتصادية ربحية كما الحال في بعض قضايا الشركات والأسهم، أو نفعية ربحية مثل السمسرة في إعتاق الرقاب من القصاص بمبالغ مالية كبيرة تقتسم بين الوسطاء في الدم وبعض (المستشيخين) الذين يتولون أمر الدعاية وسحب التبرعات، وتارة يوظف الدين لخدمة أهداف سياسية دنيئة كما تفعل تلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية، كما يستخدم في نواح اجتماعية لتعطيل مصالح المرأة، وأحيانا لخدمة بعض الموروثات والعادات الاجتماعية المعيقة لعمليات التحضر السلوكي. يبدو أننا نتقهقر في عمليات الوعي بشكل عام فمع تعدد وسائل الاتصال والإعلام وكثرة القنوات الفضائية زاد التضليل «والوعي الزائف» وبخاصة في مجالات الدين والسياسة، وهما ركنان أساسيان في تنظيم الفكر والحياة، وعن طريقهما إما تبني حضارة أو تردمها.* إعلامية وباحثة اجتماعية