د. سعود العماري

الوسائل الودية لتسوية المنازعات الاستثمارية (2)

تحدثنا في المقال السابق عن تسوية المنازعات الاستثمارية بالطرق الودية، وبينّا أن المنظم السعودي قد نص في نظام الاستثمار الأجنبي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 5/1/1421هـ على اللجوء لتسوية المنازعات بالوسائل الودية، وأشرنا لهذه الوسائل، ثم تطرقنا للمفاوضات كوسيلة من وسائل التسوية الودية وما زلنا نواصل الحديث حول هذا الموضوع. وبخلاف المفاوضات ودورها في تسوية منازعات الاستثمار فهناك وسيلة أخرى ناجعة وهي التوفيق ويتم اللجوء إليها عادة تفادياً لإجراءات التقاضي وللإبقاء على العلاقات الودية بين الأطراف المعنية. وقد تم النص على هذه الوسيلة في المادة الأولى من قانون الأونسيترال النموذجي للتوفيق التجاري الدولي لعام 2002م. وأيضا في المادة الثانية من نظام غرفة التجارة الدولية بباريس. كما اعتمدتها وأقرتها الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية بتاريخ 9/9/1981م، واتفاقية تسوية منازعات الاستثمار في الدول العربية بتاريخ 6/12/2000م كإحدى وسائل إنهاء منازعات الاستثمار.ويعرّف التوفيق بأنه: «وسيلة من الوسائل الودية لحل المنازعات عن طريق تشكيل لجنة -بموافقة الأطراف- من شخصيات مختصة في بحث أسباب وتداعيات النزاع بغية التوصل لحل منهٍ له». ويقتصر دور الموفق على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية من خلال بحث وقائع النزاع وفحصها، وتقدير الأدلة التي تم التوصل إليها، مع ضرورة عدم تناسي الأطراف المعنية لدورهم في تزويد الموفق بالمستندات والبيانات التي تمكنه من القيام بمهامه على الوجه الأمثل. ثم يقوم الموفق بعد ذلك بتقديم تقرير يشتمل على بعض المقترحات التي يمكن أن تساعد الأطراف على التوصل لوسيلة ملائمة لإنهاء النزاع، ولهم في سبيل ذلك كامل الحرية في قبول المقترحات أو رفضها، حيث لا تتمتع هذه المقترحات بصفة الإلزام. وفي حالة رفض الأطراف المعنية لتقرير الموفق، وتم اللجوء إلى القضاء لحسم النزاع فإن هذا التقرير لا يتمتع بأي حجية أمام القضاء.وجدير بالذكر أنه في حالة وجود اتفاق مسبق بين الأطراف المعنية على ضرورة اللجوء للتوفيق لحسم النزاع فيجب أن يتضمن الاتفاق على بعض البيانات الجوهرية، كوصف للنزاع الذي يمكن أن ينشأ مستقبلاً بينهم، وأسماء الموفقين الذين وقع عليهم الاختيار، إلى جانب مطالبهم التي يمكن الاستناد عليها. وهناك وسيلة أخرى وهي الوساطة التي تعرف بأنها: «آلية تقوم على أساس تدخل شخص ثالث محايد في النزاع القائم بين طرفين متنازعين أو أكثر، للعمل على تقريب وجهات النظر وتسهيل التواصل بينهم ومساعدتهم على إيجاد تسوية مناسبة للنزاع القائم». ويقوم الوسيط بمباشرة مهامه بصورة منفردة من خلال الالتقاء بكل طرف على حدة وبسرية تامة لإقناعه بضرورة الاتفاق مع الطرف الآخر على آليات للتسوية، وإن التسوية ستكون في الغالب لمصلحة طرفي النزاع. كما توفر الوساطة ملتقى لأطراف النزاع للاجتماع وطرح الآراء والمقترحات والحلول بمساعدة الوسيط الذي يؤدي دوراً كبيراً في جمع الأطراف المعنية وبحث سبل تسوية النزاع.ويشترط لقبول الوساطة في تسوية المنازعات الاستثمارية أن يتمتع الوسيط بالحياد التام والنزاهة والمصداقية، وأن يحظى بالقبول لدى الأطراف المعنية، وأن يكون مؤهلاً لمزاولة هذا الدور المهم والفاعل من خلال تمتعه بقدرات عالية في الإقناع والحوار، والخبرة الكافية في هذا النوع من المنازعات. ويلاحظ أن دور الوسيط يقتصر على مساعدة الأطراف في التوصل لحلول مرضية من خلال المشاركة في المفاوضات، أو اقتراح الحلول، أو البحث عن وسيلة ملائمة لإنهاء النزاع، دون أن يلزم الأطراف المعنية باتباع وسيلة معينة من وسائل التسوية.وفي حالة فشل الوسائل الودية في إنهاء وحسم النزاع، فقد نصت المادة السادسة والعشرون من اللائحة التنفيذية من نظام الاستثمار الأجنبي المشار إليه على ضرورة حسم النزاع نهائياً عن طريق التحكيم وفقاً لنظام التحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (46) وتاريخ 12/7/1403هـ. وقد صدر نظام جديد للتحكيم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/34) وتاريخ 24/5/1433هـ والذي حل محل النظام المشار إليه في المادة السادسة والعشرين من اللائحة التنفيذية كما ذكرنا أعلاه، وقد سبق لنا وأن قمنا بتناول هذا الموضوع في مقالات سابقة. * المحامي والمستشار القانوني