سكينة المشيخص

الحد بين السلامة العقدية والعقلية

مجلة «شارلي ايبدو» تمثل الوجه الليبرالي السافر بالنسبة للميديا الغربية، أي إنها لم تلتزم بأي ضوابط أو قواعد لحرية التعبير بحيث جعلتها تحتك وتصطدم بحريات الآخرين بلا مبالاة لحقوقهم في تقديس مقدساتهم أو احترام معتقداتهم، وذلك خطأ اتفق فيه مع الكاتب البريطاني توني باربر بصحيفة «فاينانشال تايمز» الذي انتقد السياسة التحريرية للمجلة، ووصفها بالسخيفة وغير المسؤولة لأنها تعتبر نفسها انتصرت من خلال استفزاز مشاعر المسلمين.وكما أخطأت المجلة فإن رد الفعل من بعض الجماعات الإسلامية أسوأ من الفعل، فلا يمكن أن يكون الإرهاب وسفك الدماء والسلوكيات المتطرفة انتصارا للدين، وحين ننظر لما عاناه المسلمون الأوائل بمن فيهم رسولنا الكريم من إهانات، وهم محل الاقتداء، نجدهم لم يسفكوا دما أو يرهبوا أعداءهم إلا في ميدان قتال صريح بأعلى درجات ضبط النفس والرقي الإنساني في حالتي النصر أو الهزيمة.هناك خلل عقدي كامن في الفكر المتطرف، إنهم في الواقع يسيئون الى الدين والمجتمعات الإسلامية في إطار إجرامي كامل الأركان، وليس لهم الحق مطلقا في اختطاف الدين وتصريفه وفق أهوائهم وخوائهم العقدي، ذلك بالفعل تدين منقوص وعدمي يرهق طاقتنا جميعا في الدفاع عن أنفسنا، فظاهرة الإسلاموفوبيا خطر له تداعيات سلبية على كل مسلم، ولا يمكن في تقديري أن يمتلك هؤلاء حرية في الحركة والتعبير عن اتجاهاتهم بما يجعلهم يستقطبون ويجندون ويضللون غيرهم، ذلك أمر ينبغي أن يتوقف عند حد فاصل بين السلامة العقدية والعقلية.«شارلي إيبدو» بمثابة قطعة شطرنج وهي تمثل ثقافتها وحضارتها ومعتقداتها، فهناك صحف ووسائل أخرى تناولت العقائد المسيحية واليهودية، ولم تتعرض لرد فعل كما حدث من مسلمين، ولا نبرئها من ارتكاب خطأ حتى وهي تتمتع وتنشط في بيئة بها أعلى مستويات حرية التعبير، ولكن توظيف تلك الحرية كان خاطئا تماما، وشهادة باربر كافية لتخطئتها، ولكن كيف نصل الى حرية مثالية؟ ذلك شغل انصرافي يفترض ألا يشغلنا وإنما ما يشغلنا هو المصادرة والاختطاف الديني، لنا أن نتخيل فئة قليلة تتعامل دوما بمنطق تمثيل المليار ونصف المليار مسلم، ذلك غير منطقي ولا يقبله عقل.التدين بصورة عامة من لوازم الذات، وتلك نقطة محورية في عدم التطفل على قناعات الآخرين والتحدث بالنيابة عنهم، وهي في الواقع أحد أبرز مشكلاتنا، أن نتحدث بأكثر من لسان ونفكر بعقل متطرف وإقصائي، ليس الدين على هذا النمط المشوه، وليعود هؤلاء الى التاريخ ويجدوا أجمل الأمثلة الإنسانية في التعاطي مع الصراع دون إفراط أو تفريط، ولكنهم لا يرون فنحصد هذه العشوائية في تفسير الدين وتحديد الكافر من المسلم ببساطة وسهولة مخلة.كاتبة