طرفة عبدالرحمن

السعوديون الأكثر سعادة

من جديد، السعوديون يتصدرون مراتب متقدمة في الشعوب الأكثر سعادة على مستوى العالم، فقد أظهرت عدة استطلاعات بحثية أن الشعب السعودي من أكثر شعوب العالم سعادة، كان آخر هذه الاستطلاعات ما قام به معهد جالوب العالمي لمعرفة (من أكثر دول العالم سعادة في عام 2014)، حيث جاءت السعودية في المرتبة الرابعة عالميا. ومن خلال التعليقات الواردة على هذا الخبر في المواقع الإلكترونية، نجد أن ردود الفعل تباينت تجاه نتيجة الاستطلاع السابقة، ما بين مشككين في نتائج الاستطلاع، وآخرين مؤيدين له، وليست القضية هنا في صحة نتائج الاستطلاع السابق من عدمها، إنما في مضامين التعليقات الواردة على هذا الخبر، فالفئة المشككة في نتائج الاستطلاع أوردت أسبابا ترى من خلالها عدم إمكانية توفر عوامل السعادة في البيئة السعودية، منها على سبيل المثال: نظام ساهر المروري، وانخفاض مستوى الدخل لبعض الفئات الاجتماعية، وغيرها من العوامل المالية والاقتصادية التي تشكل في نظرهم عقبة في الشعور بالسعادة عند المواطن السعودي.. بشكل عام، من خلال ردود الأفعال تلك نستشف أن هناك سوء فهم لمعنى السعادة عند تلك الفئة، وربما عند كثيرين غيرهم، فصحيح أن المال أحد مقومات السعادة إذا كان مقرونا بمقومات أخرى كالصحة الجسدية والنفسية، لكن المبالغة فيه وجعل القليل منه لا يكفي لبلوغ الشعور بالسعادة أمر مجحف، خاصة عند فئة المتشائمين التي تحاول أن تشتق السلبية من كل واقع الحياة اليومية، فجعل ساهر على سبيل المثال مصدرا للتعاسة أمر في غاية المبالغة بل إنه مدعاة لقولنا إن جميع العوامل التي تسبب التعاسة أو الاحباط قد انتفت من حياتنا -ولله الحمد- بحيث لم يبق لنا إلا الرغبة في التهور في القيادة بدون ضابط؛ لنشعر بتمام السعادة.! إن الحديث عن السعادة دائما يجعلنا نبدو "فلسفيين ومنظرين" بطريقة ما أمام الآخرين، لذا نجد أن هناك عزوفا في الحديث عنها مباشرة ومناقشة أسبابها بطريقة جدلية، ليس هذا فحسب بل أيضا عدم القدرة على الغوص في ماهيتها بطريقة منطقية مفهومة وواضحة للعقل تجعل منها عصية على الجدل المنطقي أو التفنيدي. لكن كل ما نستطيع قوله حتى الآن بطريقة بسيطة في هذا الجانب، أنه يغيب عن أذهاننا كثيرا أن الطريقة التقليدية في ربط الشعور بالراحة والفرح بأسباب معينة: كالزواج أو الترقية أو النجاح أو السفر أو الشراء، هي السبب في سخطنا أحيانا إذا لم تتحقق بسرعة، وفي كل مرة نعد أنفسنا أننا سنكف عن هذه الطريقة، نجد أنفسنا وقعنا فيها. باختصار وبصراحة تامة مع أنفسنا وواقعنا الاجتماعي، ليس حقيقة أن ظروفنا الاقتصادية هي من تسببت في شعورنا بعدم الرضا والسعادة، فإذا كنا لم نشعر بالنعمة المنغمسين فيها وعلى الدوام نفتش في النواقص والخلل في حياتنا الاجتماعية؛ لردمها، لن يتحقق لنا أدنى درجات الشعور بالهدوء والراحة، إضافة إلى أن السبب الأبرز في احساسنا أحيانا بالخنقة والكبت في محيطنا الاجتماعي يعود إلى ممارسات النقد الزائد والتعييب في أي سلوك لا يتوافق مع العرف الاجتماعي، ومع وجود تباينات حديثة في العقول، وطريقة التفكير ونمو الثقافات الفرعية في المجتمع، ازدادت الاختلافات بين الناس في بيئة اجتماعية لا تتقبل الاختلاف وتدين التمرد السلوكي بشدة.