د. سعود العماري

الجرائم المعلوماتية

تختلف وسائل ارتكاب الجريمة من عصر إلى آخر، وقد شهد العصر الحديث ثورة معلوماتية نتيجة اقتران تقنيتي الاتصالات والمعلومات، وبالرغم من التطور التقني إلا أنه حمل في طياته سلوكيات واعتداءات على حقوق يحميها القانون بالإضافة إلى المساس بالعديد من الجوانب القيمية والأخلاقية السائدة في مختلف المجتمعات، وقد كان لذلك أبلغ الأثر في استحداث أصناف جديدة من الجرائم التي لم تكن موجودة سابقاً، والتي يطلق عليها بعض رجال الفقه القانوني الجرائم المعلوماتية في حين يستخدم البعض مصطلح الجرائم الإلكترونية أو جرائم الإنترنت.وقد تنبهت المملكة لأهمية تجريم هذه السلوكيات وإيجاد شرعية للعقاب حيث أصدرت نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/17) وتاريخ 8/3/1428هـ الذي تضمن مكافحة الجرائم المعلوماتية كجريمة إنشاء مواقع الانترنت لغرض إرهابي، وجرائم الابتزاز والتهديد والتشهير عبر مواقع الانترنت. ويهدف هذا النظام إلى الحد من وقوع الجرائم المعلوماتية بتحديد تلك الجرائم والنص على العقوبات المقررة لكل منها.ولا يوجد تعريف محدد لمفهوم الجريمة المعلوماتية نظراً للاتساع المطرد للتقدم التقني والمعلوماتي من جهة، ومن جهة أخرى لتباين الدور الذي تلعبه هذه التقنية في الجريمة. ومع ذلك فقد عرفت المادة الأولى من هذا النظام الجريمة المعلوماتية بأنها: «أي فعل يرتكب متضمناً استخدام الحاسب الآلي أو الشبكة المعلوماتية بالمخالفة لأحكام هذا النظام». وبداية دعونا نتحدث عن الخصائص التي تتميز بها الجريمة الالكترونية والمجرم الالكتروني، حيث إن البيئة الالكترونية قد أفرزت لنا نوعاً جديداً ومستحدثاً من المجرمين وهو المجرم التقني بخلاف المجرم التقليدي، ويتسم الأول عن الأخير بامتلاك العديد من الملكات الذهنية كالتخصص في التقنية والمهارة في اختراق الشبكات وتحطيم الشفرات، إلى جانب الاحترافية التي تؤهله لارتكاب الأعمال الإجرامية ومحاولة عدم ترك آثار للجريمة.كما تختلف الجريمة المعلوماتية عن الجريمة التقليدية في أن الأولى تتطلب وجود بيئة رقمية واتصال بعالم الانترنت، بخلاف الجريمة التقليدية التي تتطلب وجود بيئة مادية، وفي الوقت ذاته تثير الجرائم المعلوماتية العديد من المشكلات كتحديد زمان ومكان النتيجة الإجرامية، والفعل الإجرامي، والقانون الواجب التطبيق على الجريمة المعلوماتية.أما في نطاق إثبات الجريمة المعلوماتية فتثور مشكلة في غاية الأهمية تتمثل في مدى حجية المخرجات الالكترونية في الإثبات المتمثلة في المعلومات المسجلة على الأوعية الممغنطة كالأقراص المرنة أو الصلبة أو غيرها، وتكمن الصعوبة أيضا في عدم التمييز بين أصل وصورة المحرر في البيئة الالكترونية. والأمر لا يقف عند هذا الحد فهناك صعوبات أخرى تحيط بالجرائم المعلوماتية كالخبرة والمعاينة نظراً لخصوصية هذه الجرائم وما تتطلبه من مؤهلات خاصة في الكشف عن الجريمة من قبل متخصصين من ذوي المهارات العالية في تحليل البيانات ومهارات التشفير التي تمكنهم من ضبط البيانات المستخدمة في الجريمة، والتي غالباً ما يكون المجرم المعلوماتي قد تخلص منها بالإلغاء، وهو ما يتطلب استعادة تلك البيانات الملغية إن أمكن ذلك لفك الرموز، الأمر الذي يثير بعض الصعوبات في العديد من الأحيان نظراً لأن المجرم التقني -كما سبق ذكره- يتمتع بالمهارة التي يصعب معها التوصل لدليل يدينه. وختاماً فسوف نتحدث بإذن الله تعالى في المقالات القادمة عن أنواع الجرائم المعلوماتية التي نص عليها النظام وكيفية وقوعها وعلى العقوبات المقررة بحق مرتكبيها.