تحريض «أبو عالي» على الهروب
سعيد بن عطية أبو عالي. اسمه الأول ينقلنا إلى تطلعات نبحث عنها. يداعب الأحلام بحثا وتنقيبا. الاسم الثاني صفة يتمنى كل فرد أن تكون مقرونة بشخصه. العطاء أكثر معنى من الكرم. العطاء يحوي الخير والمحبة والتضحية. الاسم الأخير معنى للحصاد. لكل شيء خاتمة. عالية المقام عندما تكون إيجابية. أقصى غاية التقدير. مزيج اسم يوحي ويقول. من خلاله نبحر إلى آفاق أرحب وأوسع. تعلو بالذات مكانة وتقديرا. الهروب إلى النجاح]. كتاب وضعه أمام جيله. أمام أبنائه. أمام أحفاده. أمام سجلات التاريخ. يتحدث عن جيل وطن. عن أبناء وأحفاد وطن. على صفحة سجل البسملة، ليخط بيده أسفلها الاهداء الذي يرغب. كانت المقابلة الثالثة في حياتي. أسمع عنه. عرفته من النّاس مثلكم. يتردد الاسم على مسامعنا. نسأل: من هو؟! لماذا هو؟! كيف هو؟! كتب إهداء بخط يرمز لشخصية تتلذذ بالإتقان وطقوسه: [أخي د محمد حامد الغامدي أهديك سيرة أيّامي، سعيد أبو عالي. 5/7/1431هـ]. أصبح الكتاب بما يحمل حقا للجميع كالتاريخ. معان لها نصيب من التأملات. الكتاب يسرد نموذجا للهروب نحو النّجاح، وصفها بتواضع، على أنها سيرة ذاتية. الهروب يمثل حياة كل فرد. الجميع يهرب إلى الأمام. أي أمام هذا؟! هل هو طريق النّجاح؟! رغم استحقاقه، (أبو عالي) لا يتباهى. لا يفتخر. لا يتعالى. لا يقول (شوفوني). رغم وجود مؤشراتها جميعا. نستنتج من كتابه أن الهروب ملحمة كل فرد في هذه الدنيا. هروب (أبو عالي) نحو النّجاح، أعطاه حق تأليف هذا الكتاب. في (424) صفحة. توقفت أمام العنوان. تدفقت الأسئلة. تصفحت الكتاب فزادت حيرتي. توسع مجال تساؤلاتي. كتاب بتضاريس وطن بكامله. كتاب يحكي كفاح وطن. إنجاز وطن. ثروات وطن. تطلعات وطن. يرسم الكتاب ملامح مستقبل وطن. لم أكن أعرف أن (أبو عالي) بكل هذه التضاريس المدهشة. رأيته شخصيات في شخصية. رأيته نجاحات في نجاح. رأيته انجازات في انجاز. رأيته جيشا في شخص. رأيته أمة في شخص. رأيته تاريخا في شخص. رأيته الحب والشيمة والعطاء والمبادرة. رأيته الغيرة البنّاءة. رأيته عطاء في كل موقف. رأيته هاربا إلى النجاح حافي القدم. رأيته في حدائق النجاح يفخر. رأيته يحكي قصة مجد. رواية رسمها بهروب سجل نهايات عظيمة. رأيته الوطن. وقفت احتراما بتساؤلات لم تتوقف. بقيت أردد: كيف استطيع التعريف بهذا الكتاب؟! سيرة تحمل كل تعريف. كل معنى. كل قراءة. لم يكن هروبا إلى النجاح فقط. كان هروبا إلى الحب الذي يلد الحب. أتحدث عن شخصية قدمت نفسها باسم (الهارب). الهروب لا يتحقق إلا لشخص يعي معنى ومتى يطلق لساقه العنان. الخوف لا يقتحم إلا النفس الجسورة. يحرك في ملامحها حب البقاء. هو الهروب الإيجابي. هكذا كان (أبو عالي) في طفولة، أوحت له بالخوف. كنتيجة أسس بشخصه ولشخصه معركة هروب. معركة نسجها بنجاح. الخوف يعطيك حق النجاة منه. خوف كله شهامة ونبيل. هذا يتوقف على الفرد نفسه. البعض لا يهرب. البعض لا يجيد الانصات للخوف. البعض لا يبالي. البعض يقتنص الخوف كغنيمة. يحمله بذاته. يوظفه ليصبح حاملا ناقلا إلى النهايات الناجحة. الخوف يصبح حبيس النفوس العليّة. كنتيجة يبتعد الفرد أكثر وأكثر نحو النجاح. بتراكم النجاح يجدد وسائل السيطرة على الخوف، ويجدد قوة قفص سجن الخوف. هكذا كان (أبو عالي) رفيق الخوف حتى اليوم. صادق الخوف ونجح. التخلص من الخوف يعني التخلص من النجاح. هذا ما رأيته في ملامح عنوان الكتاب، وصفحات الكتاب. هناك خوف واحد يولد مع الفرد. أعطاه (أبو عالي) شأنا وقيمة. أعطاه عنوانا في صفحة مستقلة. جاء العنوان في الصفحة رقم (419). قبل نهاية الكتاب. عنوان لكلمات محددة. لم تتجاوز الصفحة ونصف الصفحة. أنهى بها الكتاب. سلّمه لنا كوثيقة، تتحدث عن مسيرة وطن، في مسيرة فرد، هو سعادة الدكتور سعيد بن عطية أبو عالي. بقي أن تعرفوا العنوان. سمّاه: (الهروب الأخير). أي رجل أنت؟! أي فكر تحمل؟! وجدت (أبو عالي) مساحات إيجابية ليس لها حدود. كل فرد منّا له هروب أخير. هكذا يعطي (أبو عالي) الدرس النهائي. الهروب الأخير من الخوف الذي يأتي مع أول صرخة لنا في الحياة. هل كان (أبو عالي) يعد العدة للنجاح الكبير. نجاح الوصول إلى الجنّة. كنتيجة هل كانت كل انجازاته عبادة؟! هذا ما يوحي به عنوان الكتاب ومحتواه. حقق نجاحات وعايشها بسبب الخوف الدنيوي. بقي جاهلا بنتائج الخوف الغريزي. خوف الآخرة. النجاح الذي أنجز، يوضح أن (أبو عالي) يعرف ملامح نجاح الهروب النهائي. مسيرة حياة متفوقة. لكن نهاية الكتاب تتحدث عن أمل. سعى لتعزيزه بالدعاء في بقية صفحات الكتاب. دعاء يوحي ويقول. يعزز نجاح هروبه الأخير. يقول: [اللهم لا مهرب ولا ملجأ ولا ملاذ منك إلا إليك، سبحانك، تولني برحمتك وعافيتك وعفوك في الدنيا ويوم الوقوف بين يديك]. يتوقف ليأخذ نفسا ليواصل قائلا: [رب اجعلني خيرا مما يظن فيّ عبادك، وأغفر لي ما لا يعلمون]. يستمر دعاء العالم الخاشع المتواضع (أبو عالي)، ليرسم ملحمة تطلعات مبهجة لنجاح قصة أخرى لن نعرفها ولن نسمع عنها. للكتاب أكثر من قراءة. ولمؤلفه كتب أخرى. في عام (1364) الموافق (1945) بلغ الرّابعة من العمر. بدأ مشوار الخوف. شكّل ملامح ملحمة الهروب العظيمة. لأبيه فضل زرع الخوف قبل موته بسنتين. أصبح الخوف ملازما لليتيم (أبو عالي). نسجت أمه العظيمة خيوط نجاح الهروب. كذلك كل من كان حول (أبو عالي) الطفل اليتيم. ظل ينجح إلى أن جاءنا صيت [سعيد أبو عالي]. كتابه (الهروب إلى النجاح) يؤكد بطولة نجاح شخصيّة. لكن الكتاب يؤكد بطولة نجاح شارك فيه الجميع. أكاديمي - جامعة الملك فيصل