مطلق العنزي

بن أفليك وبيل ماهر.. عروض بالألوان الطبيعية..!

إذا ما تفحصنا الخريطة العالمية، سنجد أن «دواعش» المسلمين ليسوا وحدهم الذين يتلذذون بارتكاب الجرائم ونشر ثقافة الكره، بل يوجد دواعش كثيرون ينتمون إلى ملل وأديان وعقائد وفلسفات ظلامية كثيرة في العالم.عرض برنامج «ريال تايم ويذ ماهر» على شبكة التلفزيون الأمريكية «HBO»، نموذجين للعلاقات البشرية كما هي بالألوان الطبيعية بلا مكياج ولا رتوش ولا منمقات.وقدم البرنامج قبل أسبوعين شخصيتين تمثلان حقيقة الحياة في العالم وتقدمان الصراع بين النور والظلام، وبين الحب والكره، وبين العقل والعاطفة، وبين البناء وشهوة التدمير.الشخصية الأولى، هي شخصية النور والالتزام والحب، قدمها الممثل الأمريكي الرائع بن أفليكن اليهودي الأصل، الذي دافع عن الإسلام والمسلمين وعن الحقيقة بعيداً عن تقصدات «فوكس نيوز» وشلل ثقافة الحروب الصليبية.والشخصية الثانية، هي مقدم البرنامج نفسه بيل ماهر الذي تبرع أن يكون ظلامياً واجتثاثياً همجياً وداعية للكره والاختلاق واختراع محفزات وهمية لشن حروب كره على الآخرين. وساعده على هذا الجنوح الشائن المؤلف سام هاريس.الممثل بن افليك ليست له أية دوافع سوى الدفاع عن الحقيقة والسلام والكرامة البشرية وروعة الإنسان أيا كان، بينما عدوانية بيل ماهر تبدو في الكثير من الأسباب الظاهرة والخفية، خاصة أنه جعل من جريمة ارهابية ارتكبها 19 مسلماً في 11 سبتمبر 2001، وأدانها المسلمون دولاً وأفرادا، بضاعة يروج لها في كل مكان لمهاجمة 1500 عام من الإسلام واتهام جماعي لمليار ونصف المليار مسلم.بيل ماهر، مثل كثيرين في الغرب، استغل احداث 11 سبتمبر لإعلان نوازع نازية شريرة ولشحن عواطف الناس وتأجيج فتنة الكراهية واشعال نيرانها إلى أبعد مدى. وهو هنا لا يختلف عن نزعة محاكم التفتيش البابوية في القرون الوسطى التي تجهز إدانات دينية للناس وتجريمهم ثم تبحث عن مبررات لاهوتية.وفي نهاية القرن الحادي عشر صمم العدائيون الأوروبيون مثل بيل ماهر، الحروب الصليبية العمياء التي مدت العالم بمائتي سنة من الظلام باسم الدين. وكان المحاربون الصليبيون الهمجيون يقتلون ويثيرون الكراهية في كل مكان يمرون به، حتى أنهم يوماً دمروا العاصمة المسيحية القسطنطينية ونهبوها تحت شعار نصرة الرب، ومحاربة «الوثنيين المسلمين»، وبعض فرق المحاربين نهبت قرى ومدنا وحقول مسيحية واشعلوا فيها النيران، وعادوا بأسلابها إلى مواطنهم، وأيضاً استغل الصليبيون الدعوة للحرب المقدسة، فاضطهدوا اليهود في نهر الراين وخيروهم بين التنصر أو القتل، حتى أن يهوديات قتلن أولادهن كي لا يعذبوا أو ينصروا. ونهب الاجتثاثيون الصليبيون أموال اليهود وأملاكهم وقتلوا جماعات منهم، وكانت الحروب الصليبية بدأت محنة على يهود أوروبا أولاً ثم تكمل طريقها إلى المسلمين، مما يعني أن حروب الكره تشن بشعار ديني ثم تتحول إلى مصالح سياسية واقتصادية وابتزازات شخصية.وبعد 900 عام من هذا الجنون يركب بيل ماهر التلفزيوني الانيق الذي يزعم أنه متحضر ومدني وديمقراطي وإنساني هذه الموجة ليثير نوازع الشر المكبوته وليصبح نجماً وبطلاً لثقافة الكره، ومزيد من العروض الساخنة المثيرة للاشمئزاز.ولا اعلم عما إذا كان صدفة أن يكون أصل بيل ماهر هنغارياً وأيضاً الفرق الأولى التي بدأت الحروب الصليبية بأمر من البابا اروبان الثاني، بعد مجمع كليرمونت فران عام 1095، تشكلت من جنود هنغاريين وسلاف كانوا يثيرون الفزع وقطع الطرق والسرقات في اوروبا فقرر البابا اشغالهم والتخلص منهم بإرسالهم إلى الحروب الصليبية لنهب اليهود ومقاتلة المسلمين في الشرق الأوسط. وبيل ماهر يمارس ذات المهام التي كان يمارسها جدوده الصليبيون الهنغاريون الأوائل الذين كانوا، أحياناً، يتاجرون بالدين ويعقدون صفقات مصالح.على الرغم من أن الحروب الصليبية مثلت صناعة عدائية، وجيوشا جرارة نظمها الأوغاد إلا أنني، بعكس بيل ماهر، لا أرى أن كل المسيحيين قتلة ونهابين. وربما يكون والد ماهر وأمه (اليهودية) شخصين كريمين وطيبين، ولكنهما انجبا ابنا تلفزيوناً سيئاً بلا شك، وسخي، بجهل وحماقة، في كيل الاتهامات بالجملة للأبرياء، في سلوك اجتثاثي لا يمت بصلة لأية حضارة لا قديمة ولا حديثة.وترتجار الحروب يعودون..والسماسرة ذوو الياقات الأنيقة يفتحون مزاداتهم..واستوديوهات مدن الاضواء تمتلئ بأنفاس الأموات..جثث فقراء ودموع أمهات..ولوعات أيتام..ووحش التاريخ المتغطرس النهاش..لا يمل من مضغ لحوم الأبرياء المحاصرين بآلات الجوع والموت..