من يحتاج من؟
عندما كنت أقود السيارة ذاهبا الى مكتبي وفي زحام مدينة الرياض الخانق، لفتني أغنية اسمها "أهل النيل" للفنان علي الزيلعي سمعتها بضع مرات على اذاعة "ام بي سي اف ام"، ومن جملة كلمات الاغنية ما تنشرى الاشواق .. ولا لها عمله من باع شي واحد .. ابيع انا جمله على قولة اهل النيل .. هـ اكسر وراه قلهتذكرت هذه الاغنية وانا اقرأ تعليقات احد اصدقائي المصريين على مقالي السابق "أردوغان والإخوان.. رقصة الموت أم لذة بطعم سكرات الرحيل؟"، كتب معلقا "متخفش يا دكتور اللي مش عايزنا حنكسر وراه...قله...او زير". وكسر القلل هو من التعبيرات المصرية التي تشير الى فرحتهم بالخلاص من اى شخص "خانقهم"!!. كان مقالي السابق هو محاولة تشخيص العلاقة بين انقرة والقاهرة بعد سقوط الاخوان، ومن جملة ما قلت ان العلاقة بين الطرفين شهدت توترا غير مسبوق عقب سقوط حكم الاخوان، وصلت الى حالة من التصدع "فقدت على اثرها تركيا مصر كشريك استراتيجي مهم في المدى المنظور، خاصة وأن الفاعلين الرئيسيين في المشهد السياسي المصري عقب سقوط حكم الاخوان (المؤسسة العسكرية، والقوى الثورية) لا يرغب اي منهما في لعب دور الشريك الاستراتيجي لتركيا، مثلما كانت جماعة الاخوان المسلمين". وقلت ان هذا التوتر من المتوقع ان يؤدي الى انعكاسات اقتصادية سلبية على تركيا. ولعلي هنا اوجز هذه الانعكاسات في عدة نقاط رئيسية: اولا: طبيعة الميزان التجاري بين مصر وتركيا البالغ حجمة 6.2 مليار دولار فقط. يقول الدكتور سمير غطاس، رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية "إن تركيا هي التي تخسر مصر وليس العكس، لأن حجم التبادلات التجارية بين مصر وتركيا لا تتعدى 6.2 مليار دولار، كما أن حجم الصادرات المصرية إلى تركيا لا يمثل أكثر من 7.6% من حجم الواردات، وحجم الاستثمارات التركية في مصر 1.5 مليار دولار فقط، وتوجد 300 شركة تركية في مصر، لكن كل التقديرات الاقتصادية تقول إنه بإمكان مصر بسهولة استبدال الصادرات التركية بصادرات أخرى. وبالتالي يهدد تردي العلاقات بين البلدين الشركات التركية اكثر من مثيلاتها المصرية. ثانيا: بعد اشتعال الحرب في كل من العراق وسوريا، حيث تم اغلاق الاراضي السورية امام شاحنات التصدير التركية برا الى دول الخليج، تراجع على اثرها صادرات انقرة لدمشق بنحو 10% في 2012، بدأت تركيا بالبحث عن مسارات تجارية بديلة لتفادي العبور من الأراضي السورية المحفوفة بالمخاطر بسبب تردي الوضع الأمني هناك، فكانت مصر هي الخيار الافضل والبوابة التركية المفتوحة على منطقة الشرق الأوسط، وعلى اثر ذلك بدأت تركيا تصدير بضائعها التجارية الى دول المنطقة عن طريق الجسر البحري، الذي انشأته مع مصر بين ميناء مرسين التركى وميناء بورسعيد المصري الذي يمر من خلاله اكثر من 600 شاحنة، تحمل منتجات تركية وأوروبية يوميا متجهة لدول الخليج. وقد تردد قبل فترة توقف الخط الملاحي بين مصر وتركيا تزامنا مع اكتشاف السلطات المصرية وجود أسلحة على إحدى السفن القادمة من تركيا إلى مصر. فلو تأكدت هذه الانباء فإن مصر اغلقت على تركيا تصدير سلعها بحرا الى دول الخليج وافريقيا، مما قد يكبد الاقتصاد التركي خسائر فادحة. ثالثا: ان الحملة المصرية التي شنت لمقاطعة المنتجات التركية احتجاجا على موقف تركيا المعارض من ثورة 30 يونيو والوقوف ضد رغبة الشعب المصري، سيجعل الشعب المصري يكسر وراء المنتجات التركية "قلة" فلا هي الاجود مقارنة بمثيلاتها الغربية، ولا هي الارخص مقارنة بمثيلاتها الصينية والآسيوية عموما، وبالتالي يمكن للمستورد المصري الاستعاضة عنها بسلع بديلة. واخيرا فإن الموقف السياسي الرسمي لتركيا تجاه الأحداث في مصر اثر بلا شك على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وعملت على تجميد كل الاتفاقيات الاقتصادية التي وقعت ابان الرئيس المعزول محمد مرسي، بل وصل الامر إلى مطالبة اتحاد الصناعات المصري وآخرين بتجميد اتفاقيات التجارة الحرة مع تركيا التي وقعت في عام 1976 بسبب تصريحات حكومة أردوغان، التي اعلنت استياءها من الأحداث الجارية في مصر، معتقدة أن ما حدث بمصر كان انقلاباً عسكرياً، والتي رأتها السلطات المصرية تدخلا في الشأن الداخلي. ولا اعتقد ان تنتهي التوترات بين البلدين في القريب الا بتغير حقيقي في السياسة الخارجية التركية تجاه مصر، وبالأخص تجاه حركة الاخوان المسلمين. *محلل سياسي