مطلق العنزي

وطن يشعل القناديل..!

تحتفل المملكة يوم الثلاثاء بيومها الوطني، وهو يوم ليس ككل الأيام لوطن ليس ككل الأوطان.في بلدان كثيرة يمر اليوم الوطني باحتفاء «مهندس» بالنظام وطواقمه أو بالحزب أو بـ«انقلاب» عسكري يخلع عليه، عادة، لقب «ثورة»، مثلما كان يحدث في العراق وسوريا وليبيا ودول في أوروبا الشرقية، اختفت باختفاء النظام، فأصبحت أيامها الوطنية التي كان يحتفى بدماء الناس وعرقهم، واحدة من المنح التاريخية التي مرت بها الأمم.في هذه الأيام لو حاول ليبي تذكير الليبيين بـ«ثورة» القذافي المجنونة وكتابها «الأخضر» المليء بالهراء و«النظرية الثالثة»، و«الزحف الأخضر» و«اللجان الثورية» و«الراهبات الثوريات»، لما طلعت له شمس، لأن القذافي وايامه لم تكن إلا سواداً، وصفحات مسلوبة من التاريخ الليبي.وعلى عكس كثير من الأيام الوطنية المصنوعة في كثير من بلدان العالم العربي، نحن هنا، في المملكة، نحتفل بيومنا الوطن (يوم الثلاثاء)، بصدق المشاعر والمهج، وذاكرة تنتعش بمجد الذكرى ونحن نتظلل بمشروعها الوحدوي العظيم، وجهاد الملك عبدالعزيز الشاب الذي قدم روحه ونفسه وشحذ فكره وومضات العبقرية في مطلع القرن الماضي، كي يبني بلداً شاهقاً يعانق الشمس والتاريخ ويصنع هيبته وحضوره المؤثر القوي بين الأمم، ومشاركاً أساساً في صناعة الكثير من مشاهد التاريخ المعاصر، بالحكمة والعقل والبر والتقوى.كي نحتفل ببهاء المناسبة، علينا أن نتخيل الجهد الذي بذله الزعيم الشاب، وهو لم يكن يملك سوى منفى صحراوي وبضعة من الخيل والإبل، والوطن، الشاسع الجغرافيا المترامي الأطراف، ممزق يعييه الفقر والعزلة والتهميش ومعاول الهدم وتتناهبه المصالح والمشارب، وقرى تتباغض وتتقاتل ومعازل تعيث فيها نوائب الدهر وشواطئ يحوزها المستعمرون.في رمضان 1901 كان الملك عبدالعزيز وستون من رفاقه قرب منهل يبرين، بلا وطن ولا نصير ولا قوة يمكنها أن تفرض نفسها بصناعة حدث تاريخي. وكان، وعمره 21 عاماً، يستغرق، تحت نجوم السماء الصافيات ونسائم الربع، في التفكير بالمصير والأمل وبخطة ناجحة لتحرير الرياض. ولم يكن أمامه إلا المجازفة، إما حياة تسر الصديق أو موت يغيض العدا، وساعده صغر سنة واندفاع الشباب وشجاعة حاضرة وعملية.في الواقع لم تكن المملكة في عام 1901 الذي اتخذ فيها الزعيم الشاب قراراً بتحرير الرياض وطناً واحداً، كانت مائة وطن ووطن. وكانت الأحوال تعيي أي مفكر على التحليل أو حتى الفهم والتنبؤ بمصائر قرى متناثرة في صحاري شاسعة وجبال صم شاهقات وشواطئ تجولها سفن الطماعين والقراصنة، فما بالك بشاب صغير السن مهموم بالتوحيد والوحدة للوطن القارة. وترهذه شمسنا المشرقة..ووطن الضياء يحتفل..يصنع زينته من ثرى فياض القصيم والحمى الخصيب..وضلعان السروات، ومد الصمان، وشاهقات الجنوب..وخباري الحماد..من قبس مدينة النور إلى مآذن البيت العتيق..ومن ثاج لتيماء..ومن شاطئ خليج سلوى لأظلة السفن في ضباء..ومن حزم المناجم إلى نوارة الشمس في غيوم السودة..كل هذا البهاء لوطن يحتفي بقناديل المجد والبهجة..وفخر برجال يصنعون التاريخ ويبنون شاهقات العلا وشموخ وطن..