د. إحسان بوحليقة

البحث عن «البطة السوداء»

في العام 2006 نشر المؤلف نسيم طالب كتاب أسماه "البطة السوداء"، وقد احتفل العالم الغربي أيما احتفال بالكتاب الذي يرتكز إلى فكرة اخفاق الأفراد والمجتمعات في توقع الأحداث المتطرفة باعتبار أن احتمالية حدوثها ضئيلة، لكنها عندما تحدث تقلب المشهد رأساً على عقب. أما بطتنا السوداء فمختلفة، لكنها على صلة وثيقة، بمعنى أنه في حال اتخاذنا قرارات خاطئة أو نتجت عنها خسائر أو أخطاء فنبحث عن "بطة" لنعلق عليها أخطاءنا تلك. ما الذي على أي منا فعله عندما يقع في خطأ، عن عمد أو سوء تقدير؟ الإجابة المعلبة التي ندرسها للأطفال في المدارس: عندما تخطئ عليك الاعتراف بالخطأ والسعي لتصحيحه. لكن من منا يقوم بذلك حقيقة؟! وبالمقابل، من منا ما ان يخطئ، ويدرك أنه أخطأ، فيسعى ليس لتصحيح الخطأ بل البحث عن "بطة سوداء" لتتحمل عنه الخطأ، بمعنى أن تلك "البطة السوداء" هي التي ارتكبت الخطأ أو أغرته- بصورة أو أخرى- حتى وقع الخطأ أو كانت تلك "البطة السوداء" سبباً أساساً في ارتكابه للخطأ! وقد مرّ علينا أفلام عربية وهندية في أن يرتكب ابن أحد الأثرياء جريمة ولكن يغري والده أحد العاملين لديه بالمال ليعترف زوراً أنه هو من اقترفها فيقضي وقتاً في السجن فيما الولد المدلل حر طليق.والبطة السوداء، ليست بطة في الحقيقة، بل أقرب ما يكون إلى الحد المجهول "س" في الجبر، وبوسعك اختيار "البطة السوداء" الملائمة للموقف فرداً أو أفرادا، وما أكثر البطات في حياتنا؛ ففي حياتنا اليومية عندما يقود المراهق سيارة والده دون علمه و"يَعدّم" مقدمتها في حادث سير، يصبح السائق هو البطة السوداء، ليدعي زوراً أنه كان يقود السيارة عند وقوع الحادث، وبالقطع فالسائق سيحصل على مقابل تقمصه دور "البطة السوداء"، وبدوره فسيبرر زوراً أمام كفيله أن الخطأ ليس عليه بل ان "بطة سوداء" مجهولة صدمت السيارة وهربت، ولم يستطع التعرف عليها!وفي مجال العمل والتنافس، فالمحظي عند التنفيذي النافذ لن يكون أبداً "بطة سوداء" بل سيحصن ضد الأخطاء، لتتحملها "البطات السود" في الإدارة، أحياناً بمقابل مالي أو حتى بدون مقابل بل من باب التبلي، وعليك أن تلاحظ أن يوسعك اهتمام أحد بأنه وراء أخطاء ومصائب دون أن يعلم، وهكذا فمن نريد له أن يكون بطة سوداء لتحمل أخطائنا، ليس شرطاً أن يعلم، التحدي الكبير هو أن نمتلك الشجاعة للكذب والتدليس وإلصاق أخطائنا بالآخرين دون أن يرف لنا جفن.وعند التفكر عن أسباب رواج البحث عن "البطة السوداء"، نجد أن السبب الأساس هو أن أهم صدقٍ هو مع الذات ومواجهتها قبل أي طرف آخر، والأمر الاخر أن الخطأ طبيعة بشرية، بالتأكيد لا يسعى سوي لارتكاب خطأ عن سبق إصرار وترصد، لكن البشر يرتكبون أخطاء، أما أن يرتكب أحدنا خطأ ثم يسعى لإلصاقه بشخص آخر، فهو بذلك لا يكون قد صحح الخطأ الأول بل ارتكب خطأ ثانياً. والغريب في الأمر، أن ظاهرة البحث عن "بطة سوداء" تتطلب قدراً هائلاً من حب الذات واستخفاف بمصالح الاخرين. وإن كان الأمر يمارس ضمن الأسرة، كما في المثال السابق، أو في دوائر العمل، فلابد إذاً أن نعود لدور الأسرة في ممارسة الصدق بين أفراد الأسرة وليس فقط التحدث عنه باعتباره قيمة أخلاقية رفيعة، وبالإضافة للصدق فلابد كذلك من إرساء قيمة العدل والابتعاد عن الظلم حتى ضمن الأسرة الصغيرة، بمعنى أن من ارتكب الخطأ هو من يتحمل تبعات إصلاحه، وهذا لا يتعارض مع التكاتف بين أفراد الأسرة لمساعدة من أخطأ ولكن دون إجحاف أو ظلم، أي دون اللجوء لـ"بطة سوداء"؛ ففي ذلك تخلٍّ عن الصدق ابتداء وفوق ذلك "ظلم" سائق العائلة أو الخادمة أو شخص أو أشخاص زوراً وبهتاناً، والإسلام الحنيف منع علينا ظلم حتى من ظلمونا، فكيف بمن سواهم، يقول الله تعالى في سورة المائدة(وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).وما يحدث أن منا، وبغض النظر عما يقوله لفظاً، يمارس حياته من منطلق فوقي على وزن "أنا ومن بعدي الطوفان"؛ فكأن سمعته هي الأهم، وذمته هي الأنزه، وصورته هي الأبهى أو يجب أن تبقى كذلك حتى لو كانت صورية خاوية، وحتى لو كان الثمن الصدق والعدل. ولعل من أهم الخطوات التي علينا ممارستها كطريقة حياة بما في ذلك أطفالنا، تدريبهم على تحمل مسؤولية أعمالهم وما يتخذونه من قرارات، وأن للآخرين ذمما وسمعة وحقوقا فليس من العدل الخوض فيها واستباحتها لمجرد قدرة أحدنا على فعل ذلك أو بسبب دافع العواطف السلبية كالكره والتشاحن.