ضياع الكنز الذي لا ينضب
مازلت أذكر أحدهم، قابلته في عيادة طبيب أسنان، قدم نفسه. كان المسئول فلان. وبعد التعارف، قال: إذاً أنت الذي تكتب عن المياه؟! فرحت بالاستنتاج، أعطاني بعدا لفهم أهمية ما كتبته عن المياه. الفائدة تأخذ مجراها وتأثيرها. مخاطبة النّاس، بمقالاتي عن المياه، تؤسس لثقافة القلق المشروع على مورد المياه الجوفية، حيث تركيزي يتعمق والاهتمام. البعض يقول: لماذا لا تخاطب المسئولين مباشرة؟! مع أول مقال لي عن المياه، قبل ثلاثة عقود، أيقنت أنه لا فائدة ترجى من أي مسئول عن المياه، وثبت صحة هذا الادعاء على مر السنين. فجأة قال: يا أخي ماذا تريد منّا أن نفعل مع مياه الأمطار؟! ثم وجّه سؤالا يدل على عبط العقل العربي. قال: هل تريد منّا تبليط الأرض لاستقبال مياه الأمطار؟! كان جادا في قوله، تعالت قهقهة مسموعة من داخل نفسه. زاد الطين بلّة قائلا: الأمطار تنزل على الأرض إلى أين ستذهب، إلى القمر؟! كان يحمل أسئلة كثيرة، حركتها مقالاتي، حولها إلى رؤية شخصية عن الماء، تعتمد على فهم أن ما أكتب عبارة عن خواطر ونظم كلمات. لم يترك لي الفرصة للحديث. كان يحاول اثبات أنه يقرأ كل ما أكتب. وجدته لا يفهم ما يقرأ، وهناك آخرون، يدعون فهم كل شيء وهم لا يفهمون شيئا. قابلت الكثير في حياتي من أمثاله. يتحدثون عن الماء بمجرد رؤيتي في أي مناسبة. يسألون السؤال ثم يتبرعون بالإجابة. تصبح مهمة كاتبكم الإنصات لثقافة العلم بكل شيء. التزمت الصمت كعادتي. أسهب في الحديث. جاء دوري إلى الطبيب. تبعني. قدمني للطبيب بما كان يرغب، ثم غادر ينتظر دوره. رغم مرور العديد من السنين على هذه الحادثة العارضة في حياتي، إلا أن سؤاله أو اقتراحه، ظل معلقا في ذهني إلى اليوم، وسيظل. هل تريد منّا تبليط الأرض؟! بعض الأفكار يتم وأدها، لأن من يناقشها إما جاهل يحشر نفسه، أو متجاهل لمصلحة. البعض مهنته الاعتراض على كل شيء، إن قلت شرقا قال غربا، إن قلت شمالا قال يمينا، منهم أساتذة في الجامعات، علماء كبار في علمهم، يمارسون هذا الدور بكل سذاجة. أجبرهم البعض أن يكونوا كذلك. إن لم يكونوا، فهم لا يفهمون ولا يعرفون، كنتيجة فقد هؤلاء العلماء حشمة التخصص. ولأن جهل النّاس يشجع، (احلوت) لهم الحكاية، فأصبحوا علماء في كل شيء. ما زلت أذكر وبمرارة، كيف أن المجلس العلمي، الأهم في أي جامعة، أحال كتابي عن المياه الجوفية لمراجعته، لعالم (صيدلة). تصرف يخالف الأعراف الجامعية. هذا لا يحدث إلا في العالم الثالث، حيث تسود النزعة الشخصية الجاهلة. موضوع الكتاب بعيد عن تخصصه. بدلا من أن يعتذر لاختلاف التخصص، مارس نفس الخطأ، علّق بكلام لا يليق. عامله كموضوع تعبير لطالب في الصف الرابع الابتدائي. علماء، لكنهم يتجاهلون، ويحكمون في مجالات لا تخصهم ولا تعنيهم. هذا تدهور خطير، يعمّق المشاكل والتخلف. البعض يبحث عنهم لتمرير ما يتعارض مع الحقائق، ثم يقولون: تم أخذ رأي الدكتور فلان من الجامعة الفلانية، بهدف إضافة بهارات الصبغة العلمية، لتمرير المصلحة الشخصية، وهم يعرفون ما وراء الأكمة. إذا كان هذا يحدث من علماء فللبقية حق قطع الرباط. الحديث عن مياه الأمطار يأخذ مسارات متعددة. المياه الجوفية تتعرض للاستنزاف الجائر. ومياه الأمطار تتعرض للضياع الكارثي. كل شيء واضح لمن أراد أن يقتنع بالحقائق ومؤشراتها. المياه الجوفية تتعرض لسوء استخدام، وكذلك مياه الأمطار، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى نقاش وجدل. المياه الجوفية تتعرض لسوء إدارة، وكذلك مياه الأمطار، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى نقاش وجدل. المياه الجوفية تتعرض للملوثات بجميع أنواعها، وكذلك مياه الأمطار، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى نقاش وجدل. المياه الجوفية تتعرض للتجاهل وعدم اهتمام، كذلك مياه الأمطار، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى نقاش وجدل. المياه الجوفية لا تحظى بأي حماية أو تنمية أو تغذية، كذلك مياه الأمطار لا تحظى بالاستثمار، وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى نقاش وجدل. مليارات الريالات يتم صرفها سنويا كميزانيات، وهذا شيء تشكر عليه حكومتنا الرشيدة، لكن كم نصيب المياه الجوفية من هذه الميزانيات الضخمة؟! لا شيء، من الخطة الأولى عام 1970 وحتى خطة التنمية التاسعة الحالية. وحتى مياه الأمطار ليس لها شأن في ميزانيات الخير والبركة. مياه الأمطار مصدر المياه الجوفية الوحيد، نعم المصدر الوحيد، ورغم ذلك نمضي إلى المجهول. المياه الجوفية أهم من أي شيء آخر. أهم حتى من التعليم والصحة والرياضة. المياه الجوفية محور أساسي للبقاء. أصبح وضع المياه الجوفية يشكل خطرا لا يراه النّاس. متى يتم اعطاؤه الأولوية؟! الحل في استثمار مياه الأمطار، وليس غيرها شيء. التحلية ليست الخيار البيئي الاستراتيجي الأمثل. الحياة بيئة وإنسان. أن نهتم بالإنسان ونتجاهل البيئة فهذا خلل. لماذا القلق على متطلبات الإنسان من مياه الشرب، ونتجاهل متطلبات البيئة من هذه المياه؟! تناقض فج، يؤدي إلى نتائج وخيمة وكارثية ليس لها حدود، وقد بدأت مؤشراتها بقوة. الأجيال القادمة ستدفع الثمن، أرجو أن لا يكون حياتها. سيجدون أن بيئتهم تخلت عنهم، بتجاهلنا لمتطلبات تنميتها في الوقت الحاضر. حتى اليوم لم يظهر مشروع واحد لتغذية وتنمية المياه الجوفية. حتى اليوم والجميع مشغول بتبرير صرف الأموال على حساب المياه الجوفية. حتى اليوم نمارس التدمير البيئي، وكأن الأمر متعمد. التوازن البيئي ودمرناه، الاستغلال البيئي السيئ ونشرناه، التجاهل البيئي وأصبح ثقافة رعناء، ومياه الأمطار حولناها إلى كوارث. كل نتائج أفعالنا تهلكة وتصحر، حتى الزراعة الحالية جزء من الكارثة. مهدوا طريقا لمياه الأمطار في هذه الميزانيات الضخمة قبل فوات الأوان. ويستمر المقال بعنوان آخر.